No Result
View All Result
تقرير/ لورين داوود –
روناهي/ قامشلو ـ الحروب والأزمات والنزاعات لها تأثيرٌ سلبي كبير على المتضررين وغير المتضررين؛ سواء أكانوا ممن دفعوا ثمن تلك النزاعات أم لا، فالشباب والأطفال يتعرضون لأمراضٍ نفسية كثيرة تتسبب بتشتتهم وضيق الحال بهم لدرجةٍ استغنائهم عن طموحاتهم ومستقبلهم.
ما هي النوستاليجيا؟
النوستاليجيا مصطلح يستخدم لوصف الحنين إلى الماضي، أصل الكلمة يرجع إلى اللغة اليونانية، إذ تشير إلى الألم الذي يعانيه المريض إثر حنينه للعودة لبيته وخوفه من عدم تمكنه من ذلك للأبد، تم وصفها على أنها حالة مرضية أو شكل من أشكال الاكتئاب في بدايات الحقبة الحديثة، ثم أصبحت بعد ذلك موضوعاً ذا أهمية بالغة في الفترة الرومانتيكية، في الغالب النوستاليجيا هي حب شديد لأيام حدثت في الماضي بشخصياتها وأحداثها.
في الغالب يشعر الفرد بالأمان النفسي والراحة والاطمئنان بالعيش في الماضي؛ الذي يألف أحداثه وأشخاصه، بينما قد يشعر بالخوف أو التوجس من المستقبل فيحكم عليه أحكاماً خاطئة نتيجة تصورات ذهنية لحوادث مؤلمة لم تقع له وإنما وقعت لغيره؛ فيتصور أنه لا بد من مواجهتها يوماً ما. والغريب أنه لا يعيش اللحظة الراهنة فتنسحب منه لحظات السعادة من غير أن يشعر بها وتمر سريعاً.
وقد استطلعنا آراء الشباب الذين تعرضوا لهذه الحالة النفسية بسبب الأوضاع التي تمر في سوريا بشكلٍ عام، فالفتى العشريني (ي . ح) من سري كانيه يعاني في الآونة الأخيرة من النوستاليجيا، وأصبح في مراحل متقدمة منه لدرجة كبيرة ويقول: “إنني أشعر بالضيق كثيراً بسبب ما حدث في بلادنا مؤخراً؛ لكن عندما أتذكر الماضي أشعر بالراحة الكبيرة؛ بيتي الدافئ واجتماعاتنا العائلية في الأعياد، وخروجي مع أصدقائي بعد المدرسة، أشعر بالفرحة والأمان ولا أستطيع الخروج من هذه الحالة مهما فعلت، وخاصة بعد وفاة أبي وأفراد عائلتي بسبب الأحداث المروعة التي حدثت بشمال وشرق سوريا بسبب الهجمات التركية الوحشية”.
(ي . ح) أنهى المرحلة الثانوية وأصبح في السنة الجامعية الأولى؛ لكن لم يستطع أن يكمل مسيرته الجامعية بسبب النوستاليجيا التي يمر فيها، أصبح مثل الكائن الذي يرفض الخروج من شرنقته خوفاً من مواجهة العالم.
كيف تؤثر النوستاليجيا سلباً على الإنسان؟
تؤكد الفيلسوفة الأمريكية مارثا سي نوسباوم في كتابها “شيخوخة ذات معنى” : إن استحضار الأحداث الماضية يمكن أن يكون إيجابياً إذا كان سيساهم في إضفاء معنى للصورة الكاملة، ويساعد على التعلم. لكنها حذرت من أن المشكلة تكمن في أن البعض يخشى التطلع للأمام”.
وتوضح الكاتبة أنه حين تصبح السنوات الباقية في العمر أقل من تلك التي مضت، قد تبدو التطلعات أقل إثماراً مما كانت عليه في الماضي، لكن تمسكنا بمشاعر الماضي يحكم علينا بالقلق بشأن أمور لن تتغير، مشيرة إلى أن هذا الأمر يمنعنا من الالتفات لأشخاص موجودين أمامنا بسبب تعلقنا بذكريات تتعلق بآخرين رحلوا منذ زمن.
وأشارت مارثا إلى أنه “حين يتوفى العديد من الأصدقاء والأقارب، من السهل أن يفكر الإنسان في أن أفضل ما في العمر قد ولى وانتهى”، محذرة من أن البقاء في الماضي يحول دون خلق روابط من السعادة مع أشخاص ما زالوا أحياء. وأمام مشاعر الأسف والتفكير في أن الأمور قد تكون أفضل لو لم يحدث ذلك، وقد يؤدي هذا التفكير إلى الاكتئاب؛ فيتعرض المصاب لفقدان الشهية ويصاب بأمراض جسمانية خطيرة أو الإدمان على الكحول والمخدرات أو تغيير نمط النوم، أو الفشل في العمل والحياة الأسرية والعلاقات الاجتماعية.
الماضي له أمانٌ واطمئنان
وقد أجرينا لقاء مع الطالبة نسرين شكري التي لم تستطع أن تنجح في المرحلة الثانوية (البكلوريا)، وعند سؤالنا لها عن السبب قالت: “أحياناً ولست لوحدي التي تنتابني هذه المشاعر؛ نكون لوحدنا ونبدأ بالتحدث مع أنفسنا ونقوم بعمل مقارنات بين الماضي والحاضر؛ نجد أن الماضي كان أفضل من جميع النواحي، لذلك نتوقف عن العمل للحاضر ولا نخطط لمصيرنا المستقبلي، لأنه لا يوجد شيء مثل الماضي, الجميع يتحدث عن الأضرار التي لحقت بالأطفال والأمهات والبيوت لكن لم يتحدث أحد عن مشاعر الشباب ولا يوجد من يسمعنا وهذا يزيد الوضع سوءاً”.
نسبة كبيرة من شباب سوريا في وقتنا الحالي وبشكلٍ خاص بعد الهجمات التركية المتطرفة على شمال وشرق سوريا؛ مصابون بالفعل بالنوستاليجيا؛ لكن لا يعرفون أنهم مصابون بمرض نفسي قد يؤدي إلى اكتئابٍ حاد، وسبب جهلهم بذلك لأن النوستاليجيا بالنسبة لهم راحة وليس مرضاً.
وأظهرت دراسة أجرتها جامعة سري في لندن عام 2017م، أن للحنين إلى الماضي فوائد، ومن أبرز الفوائد التي ثبتت للنوستاليجيا رغم ألم العاطفة الذي يتسبب به:
ـ الحنين إلى الماضي يشحن الدماغ بطاقة إيجابية لأنه يثير العواطف بشدة.
ـ الشعور بالانتماء والرضا النفسي.
ـ لأن الماضي بالنسبة للإنسان فترة معلومة من حياته فهو يمده بالشعور بالأمان والراحة النفسية، تماماً كالشعور الذي يحققه التأمل أو رياضة اليوغا.
ـ إثارة الإلهام وتعزيز التفكير الإبداعي والتفاؤل.
الماضي مبهجٌ وجميل لكن لنتذكره وليس لنعيش فيه؛ لأنه ببساطة انتهى، لنتعامل مع النوستاليجيا كمصابين يجب أن نجني فوائدها ونتجنب عواقبها. أما المصابون بالنوستاليجيا من أهل أو اصدقاء فيجب أن نراعي مشاعرهم، لا أن نقول انسوا الماضي نسياناً تاماً؛ بل نقول تذكروا الماضي لكن احفظوا الحاضر واعملوا للمستقبل.
حاول أن تصنع ذكريات جديدة تلجأ إليها في المستقبل، لا تتوقف عند الماضي، سوف تحتاج ذكرياتك الجديدة يوماً ما. لا تيأس، يمكنك ذلك ويجب أنْ تعلم أنّ لكل عصرٍ جماله وذكرياته؛ تفاءل بالقادم ومن لا يعمل للمستقبل فحتماً لن يصنعه.
No Result
View All Result