سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

شاهد حي على حصار سجن حلب المركزي يروي ما عانوه خلاله..

أعوامٌ قضاها خلف قضبان السجن، فكان معزولاً عما يحدث خارج أسوارها، وما زاد الطين بلة حصار مُحكَم استمر نحو /13/ شهراً على السجن، فما هي قصة حصار سجن حلب المركزي على لسان شاهد حي؟؟؟
سبعة أعوام، هي المدة التي قضاها محمد شيخو (40 عاماً)، من سكان عفرين، شمال غربي سوريا، في سجن حلب المركزي، كان خلالها شاهداً حيّاً على أحداث حصار مرتزقة “المعارضة المسلّحة” للسجن بين عامي 2013 و2014 والذي أسفر حينها عن سقوط مئات القتلى.
يقول “شيخو”: “كنا معزولين تماماً عما يحدث خارج أسوار السجن حتى ذلك اليوم من ربيع عام 2013 حين لمحنا عبر نوافذ السجن أعلاماً مختلفة علمنا فيما بعد، أنها المرتزقة ما كانت تسمى “المعارضة” عازمة على انتزاع السجن من يد الحكومة السورية”.
منع دخول الطعام إلى داخل السجن
استولوا مرتزقة جبهة النصرة وساندهم مرتزقة آخرين على “مدرسة المشاة” في أواخر كانون الأول/ ديسمبر من عام 2012، وكان حصار سجن حلب المركزي، الذي كان يضمّ حينها حوالي /4500/ سجين، هو خطوتها التالية.
في صباح ذلك اليوم، استيقظ السجناء على صوت “صاروخ” أصاب الجناحين الأول والثاني من السجن وأسفر عن مقتل عددٍ كبير منهم، وتسبب الحصار المفروض من قبل المرتزقة بموت أكثر من /200/ سجين نتيجة منعهم من دخول الطعام إلى داخل السجن إلا بشرط الإفراج عن ثمانية سجناء مع كل وجبة، بحسب شهادات سجناء سابقين، مؤكدين بأنهم لم يكونوا يحصلون على طعام يأكلونه ولا ماء للاستحمام أو حتى للشرب.
تابع شيخو: “لقد تفشّت الأمراض بيننا وكان هناك في كل يوم وفيات جديدة (…) فقدنا القدرة على الحركة، جميع السجناء كانوا يزحفون ولا أحد بإمكانه الوقوف على قدميه باستثناء حرّاس السجن”.
وكانت مروحيات تابعة للحكومة السورية تلقي لحرّاس السجن بأكياس الطعام من الجو لأن المرتزقة نادراً ما كانوا يسمحون للصليب الأحمر الدولي أو الهلال الأحمر العربي السوري بزيارة السجن، وهو ما فاقم أزمة الغذاء الحادة التي كان يعانيها السجناء.
أكل القطط والجرذان والحشرات
اضطر السجناء، بسبب شح الطعام، إلى أكل القطط والجرذان والحشرات من أجل البقاء على قيد الحياة، وبيّن: “أكل البعض منا حتى من البطانيات الموجودة في السجن، اضطررنا إلى لفِّ الشاي الأسود لتدخينه بدلاً عن التبغ”.
وتسبّب الحصار المُحكَم الذي استمر نحو /13/ شهراً كذلك بمنع إدارة السجن من الإفراج عمن انتهت مدة محكوميتهم، قال شيخو بهذا الخصوص: “لقد كانت القوات الحكومية تعرض على السجناء المنتهية مدة محكوميتهم حمل السلاح إلى جانبها لقاء راتبٍ شهري”.
يتحدث شيخو لوكالة “نورث برس” عن الاستعصاء العام الذي نفذه السجناء في تموز/ يوليو 2013، والذي بدأ بامتناع ثلاثة سجناء عن مغادرة الجامع (الغرفة 11) والعودة إلى مهاجعهم، حيث بدأ الاستعصاء في التاسعة مساءً واستمر حتى الخامسة من فجر اليوم التالي، كسر السجناء خلاله أقفال أبواب السجن وأشعلوا حريقاً داخله، فكان على السجناء اجتياز أربعة عشر باباً، أردف: “اجتزنا بعضها بالفعل قبل أن يستخدم حرس السجن الغاز المسيّل للدموع والضرب المبرح لإيقاف تقدّم السجناء”.
وكانت القوات الحكومية في السجن قد غيّرت قواعد التخلص من الجثث بعد استيلاء المرتزقة على الباحة، كانوا يرمونها عبر النوافذ الخارجية بدل دفنهم في الباحة. بحسب “شيخو”.
وتمكنت القوات الحكومية، بعد حوالي /13/ شهراً، من فك الحصار عن سجن حلب المركزي.
ويقول السجين إن مراسل قناة “سوريا الإخبارية” دخل عليهم، مساء أحد أيام أيار 2014، وأمرهم بالهتاف للرئيس السوري بشار الأسد.
كان الجوع والتعب والمرض قد أنهك السجناء الذين كانوا عاجزين حتى عن السير فاضطرت إدارة السجن إلى نقلهم بواسطة قاطرات إلى المشفى، أكد شيخو: “رموا بنا في صناديق تلك القاطرات وكأننا أمتعة أو حيوانات”.
مفاجأة سارّة
بعد خروجه من المشفى وإطلاق سراحه، توجه محمد شيخو إلى حي الأشرفية بحلب، وقام بالتواصل هاتفياً مع أخته “إلهام شيخو” التي أصابها الذهول في بادئ الأمر وظنته ينتحل صفة أخيها، وقالت إلهام، لنورث برس، أن الصدمة كانت قويةً جداً، “كنا نظنه ميتاً وتلقينا العزاء فيه قبل ستة أشهر”
وزادت: “سمعت عبر الهاتف صوت رجلٍ يدّعي أنه أخي محمد، لم أصدقه بالطبع، لكنه ذكر بالتفصيل أسماء أخوتنا ووالدينا”
صُدم محمد كذلك، وهو على الطريق إلى عفرين، حين استغرقت الرحلة /12/ ساعة وقد كانت تستغرق أقلّ من ساعة قبيل دخوله السجن عام 2008، ولفت: “كل شيء كان يدهشني، لم أكن أعرف ما الذي حلَّ بالبلاد، ولكن كانت مفاجأة سارّة حين وصلت إلى مدخل عفرين وشاهدت الأعلام الكردية وسمعت عناصر الحاجز وهم يتحدثون بالكردية”.
فرحته لم تكتمل بحريته
لكن فرحة “شيخو” لم تكتمل بحريته، فقد كان عليه معايشة تجربة مريرة أخرى عقب هجوم جيش الاحتلال التركي لمدينته في آذار 2018، ما أجبره على مفارقة عفرين ثانيةً ولكن هذه المرة مع زوجته وأطفاله الثلاثة.
تسكن العائلة اليوم في أحد مخيمات مُهَجَّري عفرين بريف حلب الشمالي، حيث لا تفصله سوى بضعة كيلومترات عن سجن حلب المركزي؛ المكان الذي قضى فيه أسوأ سنوات حياته على الإطلاق.
وفي عودة اختيارية إلى قرية الأحداث حيث يقع سجن الأحداث الذي لا يبعد عن سجن حلب المركزي أكثر من ثلاث كيلومترات، يقترب شيخو من سور السجن، ينظر إليه من بعيد وتدمع عيناه رغماً عنه، ويقول: “لا أريد أن تقع عيناي على سور السجن ثانيةً”.
يعتمد على رؤوس أصابعه ليرفع نفسه مختلساً النظر من خلال الفتحات الموجودة بين قضبان الباب الحديدي نحو باحة السجن، تبقى نظراته معلّقةً للحظات في خط الأفق دون أن ينبس ببنت شفة، يقترب من كوةٍ صغيرة في جدار السجن، وأشار: “في سجن مسلميّة، كانت أمي تقف في مثل هذا المكان حين تأتي لزيارتي أيام الأعياد”.
يحاول محمد شيخو أن يشيح بوجهه كلما فاضت مشاعره ولكن ملامحه التي حفرت فيها المعاناة أخاديد عميقة لا يمكنها أبداً أن تخفي قضاءه سنوات طويلة خلف الأسوار التي ظنَّ أنه لن يرى الحياة خارجها مرةً أخرى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.