سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

استفتاء إقليم كردستان…   ما له وما عليه

دجوار أحمد آغا –

حق الأمم في تقرير مصائرها, مبدأ أساسي ورئيسي دولي معتمد من جانب سائر أمم العالم وفق مبادئ ويلسون الأربعة عشر عام 1914 و كذلك مبادئ ثورة أكتوبر الروسية 1917 ومبادئ عصبة الأمم 1919 ومن ثم مبادئ الأمم المتحدة 1947 حيث تقر كل المعاهدات والاتفاقات الدولية حق الشعوب والأمم في تقرير مصائرها وطريقة عيشها.
إقليم كردستان العراق ليس استثناء, مثله مثل إقليم كاتالونيا في إسبانيا، الاثنان قررا إجراء استفتاء وأخذ رأي شعبيهما في تقرير مصيرهم، سواء البقاء ضمن الحكومة الاتحادية (الفيدرالية) أم تشكيل كونفدرالية, أو الانفصال وتشكيل دولة مستقلة؛ وهذا حق طبيعي ومشروع لأي حكومة محلية في أخذ رأي مواطنيها بموضوع مهم يقرر مصيرهم .
كان من المقرر أن يُعقد هذا الاستفتاء عام 2014 في خضم الجدل والنزاع بين حكومة إقليم كردستان وحكومة بغداد، واكتسبت النداءات الطويلة الأجل للاستقلال الكردي زخماً في أعقاب هجوم شمالي العراق الذي شنه تنظيم ما يُسمى “الدولة الإسلامية في العراق والشام” (داعش) والذي أدى إلى انسحاب قوات الحكومة المركزية منها مما تركها عرضة للهجوم من جانب (داعش) فتدخلت قوات البيشمركة لحمايتها. كان قد أعلن عن موعد الاستفتاء عدة مرات لكنه كان يتأجل لأسباب مختلفة, وفي يوم السابع من حزيران 2017، عقد الرئيس مسعود بارزاني اجتماعاً مع كلٍّ من الحزب الديمقراطي الكردستاني، والاتحاد الوطني الكردستاني، والاتحاد الإسلامي الكردستاني، والحركة الإسلامية الكردستانية، والحزب الشيوعي الكردستاني، وحزب كادحي كردستان، وحزب العاملين والكادحين في كردستان، وحزب الإصلاح التقدمي في كردستان، وقائمة أربيل التركمانية، والجبهة التركمانية العراقية، وحزب التنمية التركماني، وقائمة الأرمن في برلمان كردستان، والحركة الديمقراطية الآشورية، والمجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري، حيث أكد خلاله عن عزمه على إجراء الاستفتاء في 25 أيلول 2017.
بالفعل؛ جرى الاستفتاء على استقلال باشور كردستان يوم 25 أيلول 2017، في ظل إصرار كردي واسع شمل سائر أجزاء الوطن المقسم, وتوحيد رؤية الأحزاب الكردستانية الكبرى حول حق شعبهم في إبداء رأيهم بطريقة عيشهم وتقرير مصيرهم, إذ أصدرت منظومة المجتمع الكردستاني بياناً أيدت فيه حق شعب الإقليم في إجراء الاستفاء وأنها على استعداد لحماية مكتسبات الشعب الكردستاني في أي بقعة كانت من الوطن. كما أن الرئيس المشترك لمنظومة المجتمع الكردستاني، جميل بايق، أكد أن “الاستفتاء على الاستقلال في جنوب كردستان هو نتيجة للتطورات في المنطقة والعالم, وهو حق ديمقراطي, وليس من حق أية جهة الوقوف ضده”.  وفي الطرف المقابل كان هناك اعتراض واسع النطاق شمل “أصدقاء الاقليم” قبل أعدائه وأعني هنا تركيا بالدرجة الأولى. تركيا التي لم تعترف حتى الآن بإقليم كردستان، وعندما تتحدث عن الإقليم وقادته تقول “Quzey  îraq” أي شمال العراق, إلى جانب دول أخرى تدعي صداقة حكومة الإقليم مثل إيران وأمريكا وألمانيا وغيرها, حيث وقف الجميع ضد الاستفتاء الذي كان مجرد أخذ رأي شعب في قرار يتعلق به بالدرجة الأولى, لكن العالم برمته وقف ضد هذا الاستفتاء وكذلك حكومة العبادي في بغداد التي دعت قادة الإقليم إلى التراجع عن قرار إجراء الاستفتاء. أمام هذا الإصرار الواسع من دول العالم التي تدعي وتتباهى بالديمقراطية وحقوق الإنسان وترفض في الوقت نفسه حق الشعب الكردي في إجراء استفتاء في جزء من أجزاء وطنه المقسم؛ لم يكن أمام الرئيس مسعود البرزاني سوى المضي قدماً في عملية إجراء الاستفتاء, هذا الاستفتاء الذي أقرته عصبة الأمم في معاهدة سيفر عام 1920 البند 64, لكنها بقيت حبراً على ورق. بدأ الاستفتاء وعلى وجه الخصوص في المناطق المقتطعة من كردستان (كركوك – مخمور- خانقين – سنجار) هذه المناطق التي كانت قد أصبحت تحت سيطرة قوات البيشمركة الكردية والتي لم يحسم أمرها بعد بموجب الاتفاق الدستوري بين حكومة بغداد والإقليم وفق المادة 140 من الدستور الذي أقر عام 2005 وسميت بـ “المناطق المتنازع عليها” علماً بأنها جزء لا يتجزأ من كردستان.
أعلن مسؤولون في اللجنة المشرفة على الاستفتاء خلال مؤتمر صحفي في عاصمة الإقليم أربيل أن نسبة 92.7% من مجموع المشاركين في الاستفتاء صوتوا بنعم, وأن نسبة الإقبال على المشاركة في التصويت بلغت 72.61%. عمت الفرحة سائر أجزاء الوطن المقسم الذي يشاهد وللمرة الأولى في تاريخه المعاصر الأعلام الكردستانية ترفرف بألوانها الزاهية في الميادين والساحات والملاعب من جانب ملايين الكرد في مختلف مدن وبلدات كردستان والعالم احتفالاً بهذا الاستفتاء الكبير والذي أظهر مدى حب الكرد لوطنهم وثقتهم بأنفسهم وقدرتهم على إدارة بلادهم بنفسهم (أهل مكة أدرى بشعابها).
بدأت القوى المعارضة للكرد وتطلعاتهم في العيش على أرضهم بسلام وحرية بالتحرك السريع حيث نرى أردوغان يتهم حكومة وقادة الإقليم بالخيانة. ويبدأ بحشد قواته وينسق مع إيران وقوات حكومة بغداد وسط صمت دولي مريب, ونتيجة لتأزم الأوضاع وخاصة مع وجود داعش وهجومها على مناطق الإقليم, توصلت حكومة بغداد وحكومة الإقليم إلى اتفاق بعد تفاهمات تم بموجبها انسحاب قوات البيشمركة من كافة المناطق التي كانت تسيطر عليها وتديرها حكومة الإقليم وعلى رأسها كركوك التي قاوم فيها مجموعة من مقاتلي حزب العمال الكردستاني لفترة من الزمن قبل أن تنسحب في نهاية المطاف .
يتساءل لقمان فايلي السفير العراقي الأسبق في الولايات المتحدة الاميركية: “لماذا أصرت حكومة الإقليم على إجراء الاستفتاء؟” مضيفاً؛ إن بغداد لم تفهم المراد من الاستفتاء، ناهيك عن الضرورة الملحة التي أرادت حكومة الإقليم فرضها على بغداد. ويعترف فايلي بأن موعد تجربة الخطوة نحو الاستقلال كانت مواتية بالنسبة إلى الكرد فالحرب ضد “داعش” تم كسبها بمساعدة الكرد على الأقل عسكرياً، وصورة الكرد في العالم كانت إيجابية، والحكومة المركزية في بغداد ضعيفة. لكنها لم تكن لحظة مواتية لبغداد: “إذا أردنا التوصل إلى وضع رابح، يجب التباحث مع بغداد، وهذا النقاش لم يتم”، كما يذكر السفير العراقي منتقداً.
 المؤكد هو أن وحدة العراق المطالب بها من جانب الكثير من الجهات تضررت وبقوة، هذه الوحدة المرسومة للعراق المتمخض عن تصميم بريطاني بعد نهاية الحرب العالمية الأولى. إلى ذلك أشارت الباحثة دونيز ناتالي من “معهد دراسات الاستراتيجية الوطنية” أنه تم تحديد هذا الموعد “عمداً”، موضحة أن الاستفتاء يأتي فيما يواجه مسعود بارزاني أزمات داخلية كبيرة وفي حاجة لتعزيز موقعه كزعيم قومي.
في الختام نرى بأن إجراء الاستفتاء بحد ذاته حق مشروع ومكفول وفق المعايير والمعاهدات الدولية، ومن هذا المنطلق وكذلك كرغبة عارمة تدغدغ مشاعر وعواطف الكرد في كل مكان؛ كان الاستفتاء وخاصة نتائجه بحق انتصاراً كبيراً لإرادة الشعب وبيان للعالم أجمع أن هذا الشعب يريد العيش حراً وبإمكانه ذلك. أما إذا نظرنا من الجانب الآخر نرى بأن من النتائج السلبية التي ترتبت على إجراء هذا الاستفتاء كان خسارة الإقليم معظم المناطق المستقطعة من أرض كردستان وعلى رأسها كركوك وجلولاء وسنجار ومخمور وخانقين وغيرها، الحسابات الخاطئة كانت السبب في تلقي الحلم الكردي بالاستقلال انتكاسة كبيرة بعد هذا الاستفتاء. على الرغم من أن هذه الأحلام لم تنكسر نهائياً إلا أن  تحقيقها في منطقة الشرق الأوسط التي تشهد اضطرابات مزمنة ليس بالأمر السهل على الإطلاق .
أياً كانت الأسباب والدوافع وراء هذا الاستفتاء, لا يمكننا إنكار أنه دغدغ عواطفنا ومشاعرنا القومية ولو للحظات، عشنا عرساً كردياً بامتياز وبإجماع سائر القوى الكردية والكردستانية بمختلف تلاوينها وأيديولوجياتها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.