سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

كوبكلي تبه (3) (ما بين مانيفستو الحضارة الديمقراطية وتقارير البعثة العاملة وآراء الباحثين)

رستم عبدو –

اعتقد العلماء أن المنحوتات التي وجدت في «خراب رشكي- كوبكلي تبه» تعتبر الأقدم في الكون, وأن هذا الكم الهائل من الرسومات  لا سيما الثديات منها ومعظمها يمثل الجنس الذكوري إنما تعبّر عن المعتقدات الدينية لدى مجتمع الصيادين، وكانت بمثابة رموز تعريفية استُخدمت كشعائر لمباركة عمليات الصيد، أو أن لها دلالة سحرية لحماية الموقع من قوى الشر، أو ربما تشير إلى الكائنات المقدسة التي كان الناس يعبدونها في تلك الفترة أو أنها تمثل جزء من دورة أسطورية أو ربما لحساب حركة الشمس وإظهار الوقت أو أشبه ما تكون بسجل النسب لكل عشيرة.
من المواقع التي قد تكون معاصرة لكوبكلي تبه أو أحدث منها بقليل هو موقع جايانو ونوالا جوري في باكور كردستان وكذلك موقع المريبط والجرف الحمر في مناطق وادي الفرات الأوسط في سوريا، كما أنه يمكن مقارنة كوبكلي تبه مع موقع ستون هيج حيث أن كلاهما يمتلكان خاصية الطابع الصخري المشترك وأيضاً كلاهما كانا مخصصان لممارسة الطقوس الدينية الهامة، بالرغم من عدم وجود أي صلة أو رابط يجمعهما لا سيما أن كوبكلي تبه تسبقها على الأقل بـأكثر من 5000 آلاف عام, كما أنها تسبق زيقورات سومر وأهرامات مصر بأكثر من 7 آلاف عام.
يؤكد هذا المَعْلَم الذي ظهر في أورفا والذي لم يعثر على نموذج مماثل له من حيث القدم والعراقة في أية بقعة من العالم، حتى هذه اللحظة على ممارسة الناس البدائيين للطقوس الدينية مما يتلاءم مع احتياجاتهم في فترات سبقت مرحلة الإنتاج الزراعي وتدجين الحيوانات وبناء المنازل والاستقرار، كما يؤكد على أنه من أوائل المواقع التي ساهمت في تطوير التنظيم والفكر الاجتماعي في المراحل المبكرة, إذ لم يعثر على أي موقع عائد لمرحلة المجتمعات التي تعيش على الصيد وجمع القوت إن وجدت فيها مثل هذه الهيكلية التنظيمية المعقدة، أو المستوى الثقافي الباهر في تلك الفترة التي ما تزال آثارها واضحة على الحياة الاجتماعية في الشرق الوسط.
إن ظهور النبي إبراهيم في أورفا وتحوّله فيما بعد إلى جد الأديان التوحيدية الثلاث الكبرى وأب لجميع الأنبياء في تلك البقعة ليس محض صدفة أو ظاهرة عشوائية كما يقول أوجلان، بل هو ثمرة من ثمار ثقافة ذلك المركز والمتمثل في كوبكلي تبه، وهي ثقافة انبثقت منها الحقيقة الكردية بحسب رأيه، والتي لا يمكن لها أن تمحى أو يُزال تأثيرها بهذه السهولة.
مثّل هذا الموقع مركزاً إقليمياً تجمّعت فيه الكثير من المجتمعات خلال فترات معينة لأداء وممارسة الطقوس الدينية وذلك خلال الألفين العاشر والتاسع ق.م، و مركزاً دينياً- إلهياً لأقوى عشائر تلك المناطق.
ولعب دور المفتاح بين مرحلتين انتقاليتين (مرحلة ميزوليت ونيوليت)، وكانت بمثابة الأرضية التي مهدت للتطور الفكري والديني والاجتماعي على مدار 1500 سنة قبل أن تدفن بالكامل وتردم بشكل مدروس ومخطط من قبل أصحابها دفعة واحدة, دون أن يطال تلك المنشآت أي تدمير أو تخريب أسباب غير معروفة، وإن كانت الترجيحات تشير إلى انتشار معتقدات جديدة من الممكن أن تؤثر على هذا المكان الذي اعتُبِر في نظر بنائيها من المحرمات أو المقدسات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.