سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

الديمقراطية والمجتمعات العربية

سراج حمزة حسن –

يقول الشاعر السوري علي إسبر/ أدونيس: الديكتاتوريات ليست مجرد بنية سياسية، إنها بنية ثقافية، اجتماعية، وفي الرأس قبل أن تكون في الكرسي ولابد في الثورة إن كانت حقيقية أن يقترن مشروع تغيير السلطة اقتراناً عضوياً بمشروع آخر هو تغيير المجتمع إدارياً وسياسياً وثقافياً واجتماعياً، والتغيير من دون تلك الأسس سيكون انتقالاً من عبودية إلى أخرى.
ويقول د. جمال إبراهيم أيضاً: من خلال تصفح خارطة توزع الديمقراطية في العالم، وقراءة تجارب الشعوب، يتبين بأنه من الممكن أن تظهر العلمانية بدون الديمقراطية/ علمانيات الجزائر وسوريا والعراق ومصر و… إلخ) ولكن لا ديمقراطية بلا علمانية، إن عدم فصل الدين عن الدولة ولاسيما في المجتمعات متعددة الأديان والطوائف والأعراق يعني ترك العنان لسطوة النزعة الأصولية والإخوانية القذرة، التي تقوم باستغلال وأدلجة الدين للوصول إلى السلطة وجعل المنطلقات النظرية الدينية الأكثر رجعية وتخلفاً وتوحشاً وعنصرية برامج سياسية ودستوراً للبلدان، والهروب إلى الأمام من خلال رفع شعار الإسلام هو الحل، والادعاء بامتلاك الحقيقة المطلقة وتغييب دور العقل ومحاولة فرض الأفكار الغيبية الغبية والقناعات المسبقة على المجتمع، وتغييب دور العقل وبالتالي غياب القواسم المشتركة ومساحات الحوار، وهكذا إقحام الدين في السياسة، إهانة للدين وخطر على السلم الأهلي وعائق حقيقي أمام ولادة الديمقراطية.
ما سمي بالربيع العربي لم يتجاوب مع مطالب الثورة
 أثبتت التجارب الفاشلة للقوى التي سميت بالربيع العربي والتي وصلت إلى السلطة أن تلك الأحزاب والقوى المعارضة لم تمتلك تاريخاً ديمقراطياً واستخدمت الديمقراطية وسيلة للضغط على الحكومات المستبدة للاستحواذ على السلطة، حيث أدى وصولها إلى الحكم إلى المزيد من الإخفاقات على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي فازدادت وتيرة الفساد وبلغ معدل خفق الحريات العامة والخاصة مستويات قياسية، وليس أدل على ذلك أنه تم في ليبيا بعد رحيل القذافي توثيق الانتهاكات الفظيعة بحق شرائح واسعة من الشعب الليبي واضطهدت العمالة المهاجرة من آسيا وإفريقيا وتعرض المواطنون الليبيون من البشرة السوداء للتعذيب والإعدامات الميدانية، وأما في مصر حدث ولا حرج خاصة عند وصول الإخوان بقيادة مرسي لم ولن يحافظ الاخوان على برامج الرعاية الاجتماعية والتعليم والعمل والإسكان، وسن دستور وتشريعات ديمقراطية تحفظ حقوق الأقليات وتقبل الآخر وحقوق المواطنة.
أما ثورة الرعاع في سورية ينحدرون بغالبيتهم من خلفية ملكية وإسلامية وخاصة الإخوان المرتزقة المدعومين من تركيا وقطر وممولة من الحلف الأطلسي، يقول مدير منظمة هيومان ووتش “المعنية بحقوق الإنسان” كينيث روث” في 31 كانون الثاني 2013 يتبين في نهاية الأمر أن سقوط الأنظمة الديكتاتورية لربما كان الجزء الأسهل، والأصعب هو استبدال أنظمة قمعية بديمقراطيات تحترم حقوق الإنسان.
لا بد من تحرير الشعوب من وصاية الخطاب الديني
إن إزاحة الأنظمة الاستبدادية والتداول السلمي للسلطة عبر صناديق الاقتراع؛ لا تكفي لكي تنعم المجتمعات العربية بالديمقراطية، لأن سلطة الأكثرية إذا تجاهلت حقوق الأفراد ولا سيما حرية التفكير والاعتقاد لا تعدوا عندئذ إلا شكلاً من أشكال الاستبداد، ويزداد الطين بلة عندما يجعل تيار الإسلام السياسي، المعادي للتقدم وللحريات الشخصية من الديمقراطية مجرد قطار للوصول إلى السلطة، ولدرء هذا الخطر يتطلب العمل الجاد والدؤوب على فصل الدين عن الدولة وتحرير الشعب من عبودية ووصاية الخطاب الديني، وذلك بإجراء نقلة ثقافية لتغيير الإنسان وخلق العقلية الديمقراطية التي تراعي حقوق الإنسان وتحترم الرأي الآخر، وتنبذ الطائفية وثقافة الأقصاء، وغيرها من الممارسات والسلوكيات السلبية، بغية الوصول إلى مجتمع ديمقراطي، قادر على السير على طريق التقدم، فالأزمة الحقيقية تكمن في المجتمعات العربية، التي لم تتهيأ بعد لحضانة مولودة مأمولة اسمها الديمقراطية.
يقول المفكر السوري، د. جورج طرابيشي: لئن كانت الأنظمة العربية تقيم العثرات أمام الآلية الديمقراطية فإن المجتمعات العربية الراهنة تقيم العثرات أمام الثقافة الديمقراطية، فالأنظمة العربية لا تتحمل انتخاباً حراً، ولكن المجتمعات العربية لا تتحمل رأياً حراً، ومجتمع يريد الديمقراطية في السياسة ولا يريدها في الفكر، هو مجتمع يستسهل الديمقراطية، ويختزلها في آن معاً. يتحمل الخطاب الديني جانباً كبيراً من المسؤولية في عملية تكريس الاستبداد، لأنه منبر من منابر الثقافة السلطوية، مجد الدكتاتوريات والأنظمة الملكية، إن تجاهل الأسباب التي تؤدي إلى الاستبداد، وبالتالي عدم معالجتها، يؤدي إلى الحلقة المفرغة، إذ لا بد من تأمين الشروط الاقتصادية والاجتماعية والثقافية كونها الحاضنة الحقيقية للديمقراطية. الفاشية بمعناها الحقيقي تتمثل بسيطرة الإرهاب والعناصر الأكثر رجعية والأكثر ديموغاجية والأكثر تخلفاً وشوفينية على مقاليد الحكم، وما يدعو للضحك عندما تنشئ هذه الفاشيات مؤسسات ديمقراطية مثل النقابات والبرلمانات، ولكن عندما تشعر بالخطر تتخلى فوراً عن الأساليب البرلمانية وتضرب بقبضة من حديد وتلجأ إلى أكثر الأساليب وحشية للحفاظ على السلطة السياسية ومثال ذلك قمع أردوغان الإخواني لاحتجاجات معارضيه.
تركيا المعبر الآمن لمرور عشرات الآلاف من المرتزقة
تضفي العصابات المسلحة من الإخوان المسلمين الذين عهدنا بهم منذ أحداث الثمانينات من القرن الماضي والتي تنطوي تحت مظلة ما يسمى الجيش الحر، والذي يضم كتائب تتميز بالتزمت الديني والطائفي والعنصري والعمالة والقوى المتطرفة الأخرى كداعش وجبهة، والتي أضفت الصفة الطائفية للصراع بغية جذب المرتزقة المتطرفين من خارج الحدود لترجيح الكفة العسكرية لصالحها، فقد قدر المبعوث الأممي والعربي الأخضر الإبراهيمي بعد حوالي سنة ونصف من عمر الأزمة عدد المرتزقة المسلحين الأجانب بحوالي 40 ألف قدموا من جميع دول العالم، وكان يتم استقدام المتطرفين إلى سوريا عادة من خلال مكاتب التجنيد المنتشرة في مناطق مختلفة من العالم (أفريقيا وإندونيسيا وروسيا وأستراليا وأوروبا وغيرها) ويتم نقل المسلحين بوسائط النقل إلى أماكن التجمع في تركيا ومنها يتسللون عبر الحدود إلى سوريا.
إن جرائم الجنرال فرانكو وكتائبه اليمينية السوداء التي ارتكبت بحق الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية، وكذلك الأعمال التخريبية للبنية التحتية التي ارتكبتها عصابات الكونترا في نيكارغوا، تكاد تكون وبالمقارنة مع وحشية الإخوان المسلمين في سوريا ومصر وليبيا مجرد هفوات أطفال، لا وقع لها.
الائتلاف السوري والارتزاق وجهان لعملة واحدة
على الرغم من السياسة الإقصائية والطائفية والعنصرية للمعارضة السورية في الخارج ولا سيما للمجلس الوطني السوري والائتلاف، إلا إن كثيراً من وسائل الإعلام القطرية الإخوانية والتركية تصفه على أنه ليبرالي وعلماني!! إلا أن حيلة المعارضة السورية المتضمنة تطعيم الواجهة السياسية لها بشخصيات من الكومبارس، كانت لها خلفيات علمانية ويسارية مثل جورج صبرا وعبدالرزاق عيد وميشيل كيلو والشيخ الجليل رياض الترك قدس الله سرهم جميعاً لم تنطلِ على أحد فلم تنجح تلك المحاولات الفاشلة الغبية للترويج لبضاعتهم الفاسدة.
يبدوا أن ثوار فنادق أنقرة والدوحة من المعارضة الخارجية يعانون من صعوبات في الرؤية والسمع والفهم فعلى الرغم من الأعمال البربرية لجبهة النصرة الإرهابية التي يندى لها الجبين فقد وصفها رئيس ما يسمى بالجيش السوري الحر الإرهابي رياض الأسعد بأنها “الفصيل الأفضل والأشجع” وقال عنها رئيس ما يسمى بالمجلس الوطني السوري المرتزق جورج صبرا بأنها “جزء من الثورة في سوريا” وقال ميشيل كيلو “إن الثوار السوريين رأوا في الانتماء إلى تنظيم القاعدة بعداً تحالفياً مقابلاً للتحالف السلطوي، وأيد رئيس ما يسمى بالمجلس العسكري الثوري في حلب المرتزق عبدالجبار العكيدي عندما صرح برفض وصف أي مقاتل يحارب بشار الأسد بالإرهابي وأضاف العكيدي “أن عناصر جبهة النصرة مقاتلون جيدون ويتميزون بسلوكهم الجيد والمنضبط وثمة تنسيق بيننا”.
إلا أن جبهة النصرة وجهت لهم ضربة تحت الحزام بإعلانها أنها جزء من تنظيم القاعدة الإرهابي، إن تيار الإسلام السياسي المعادي للتقدم والحريات الشخصية تحاول أن تجعل من الديمقراطية مجرد قطار للوصول إلى محطة الغايات، ولدرء هذا الخطر يتطلب العمل الجاد والدؤوب على فصل الدين عن الدولة، وتحرير الشعب من وصاية الخطاب الديني وذلك بإجراء نقلة ثقافية لتغيير الإنسان وخلق العقلية الديمقراطية التي تراعي حقوق الإنسان، وتحترم الرأي الآخر وتنبذ الطائفية وثقافة الإقصاء وغيرها من الممارسات والسلوكيات السلبية بغية الوصول إلى مجتمع ديمقراطي قادر على السير على طريق التقدم والازدهار وإيجاد الحلول للأزمة السورية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.