سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

أذربيجان… المستقر الآخر للمرتزقة السوريين بإدارة تركية

تقرير/ صلاح إيبو –

وسط تجدد الاشتباكات بين الجيشين الأرميني والأذربيجاني في منطقة “قرة باغ” المتنازع عليها، ظهرت أدلة مصورة وتسريبات صوتية تؤكد إرسال أنقرة لدفعة من المرتزقة السوريين للقتال إلى جانب القوات الأذرية التي أعلنت تركيا في وقت سابق وقوفها إلى جانب باكو بكل الوسائل، وفي أولى حصيلة للقتلى السوريين ضمن القتال الدائر صباح الأحد بين الدولتين قتل قرابة 90 مرتزقاً سورياً، وتعول أنقرة أن يساهم المرتزقة السوريون الذين اكتسبوا خبرة قتالية في ليبيا في قلب الموازين لصالح باكو، والتوترات هذه والتدخل التركي المباشر بعد المناورات العسكرية قبل شهرين، يقابله متابعة روسية هادئة للوضع ودعوة تامة للدبلوماسية!!
تداولت مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو لأحد أعضاء فصيل السلطان مراد الموالي لتركيا، جريحاً وهو يتوسل من أقرانه المسلحين عدم التوجه إلى أذربيجان، وتعقيباً على هذا المقطع سرب أعضاء آخرون، مما يسمون بالجيش الوطني السوري المشكلة من قبل تركيا في المناطق المحتلة بسوريا، تسجيلاً صوتياً قال فيه إن المسلحين السوريين الذين نقلوا إلى أذربيجان، وضعتهم الاستخبارات التركية في الخطوط الأولى إلى جانب وحدات من الجيش الأذري الذي ينتمي غالبية جنوده للمذهب الشيعي.
وقال نشطاء أن عدد القتلى السوريين في أذربيجان تزايد صبيحة اليوم الأحد، إذ قُتل 19 من مرتزقة جيش الرقية و4 من فرقة الحمزات وتسعة قتلى من الفرقة 51 و11 قتيلاً من جيش النخبة، إضافة إلى 54 قتيلاً من لواء الفراقان والجبهة الشامية وفرقة المعتصم، ووثق النشطاء أسماء 11 من القتلى.
أفضل الرواتب تمنح للتركمان
وكانت تقارير ومصادر من مدينة عفرين الكردية المحتلة قالت أن الاستخبارات التركية بدأت قبل أشهر بتسجيل أسماء العديد من المرتزقة، وتزايد أعداد المسجلين خلال الشهر الأخير بعد عودة قرابة 3500 منهم من ليبيا ليتوجهوا إلى أذربيجان اليوم.
وقالت مصادر أن الاستخبارات التركية ضغطت على قادة الفصائل المرتزقة لتجنيد ما يفوق الـ10 آلاف مرتزق للتوجه  إلى أذربيجان، ومن المفترض أن يتقاضى كل مرتزق ما بين 1500-2500 دولار أمريكي بحسب الرتبة والعمر والفصيل المنتسب له، والأفضلية هنا للفصائل التركمانية (سلطان مراد، سمرقند).
وتداول نشطاء صور لمجموعة شبان مؤلفة من 50 شخصاً تقريباً وهم على متن طائرة متوجهة إلى أذربيجان، وجاء في التسريب الصوتي المشار إليه سابقاً أن قرابة 30 مرتزقاً أصيبوا وقتلوا في قصف للقوات الأرمينية قبل يومين على نقاط للجيش الأذري في منطقة “قره باغ” المتنازع عليها بين البلدين، وأشار التسريب الصوتي إلى أنه يفضلون عدم توجه المرتزقة السوريين إلى أذربيجان لأسباب تتعلق بالطائفية التي تتمتع بها هذه الفصائل، فالقتال هناك سيكون إلى جانب الجيش الأذربيجاني وليس الجيش التركي الذي لم يعلن تدخله الصريح بعد، وغالبية أعضاء الجيش الأذري هم من الشيعة، ولهذا ترك التسريب الصوتي حرية التوجه للأفراد المنضوين في هذه الفصائل.
تركيا والرهان على الإرهاب لنصرة باكو
ويُشير مراقبون للوضع التركي، إلى أن تركيا تراهن اليوم على خزان من الإرهابيين والمرتزقة السوريين في الصراع في القوقاز بين أرمينا وأذربيجان، وفي آخر التصريحات التركية الموالية لأذربيجان، دان الناطق الرسمي باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالين يوم الأحد، ما وصفه بالاعتداء الأرمني الأخير على أذربيجان، وعبر عن تأييد أنقرة لباكو في ظل هذه الظروف.
وكتب قالين عبر “تويتر” أنه “يدين بشدة هجوم أرمينيا على أذربيجان”، مشيراً إلى أن “تركيا تقف إلى جانب أذربيجان وتؤكد دعمها الكامل لها”.
روسيا بدورها أبدت موقفها من ذلك، حيث قال النائب الأول لرئيس لجنة الشؤون الدولية بمجلس الاتحاد الروسي، فلاديمير جباروف، يوم الأحد، أنه يجب على أطراف النزاع في ناغورنو قرة باغ، وقف إطلاق النار والجلوس إلى طاولة المفاوضات.
المناورات العسكرية التركية الأذرية رسالة لروسيا قبل أرمينيا
وزير الدفاع التركي صرح هو الآخر منتصف الشهر المنصرم خلال زيارة أجراها إلى أذربيجان عن دعم بلاده الكامل لأذربيجان ضد أرمينية، واستذكر أكار توقيع البلدين اتفاقية التعاون الإستراتيجية عام 2010.
وكانت مناورات عسكرية جرت نهاية شهر تموز الماضي بين تركيا وأذربيجان، واعتبرت كرسالة لبعض الدول من ضمنها روسيا، للوقوف على الحياد في الأزمة بين البلدين، وكتب الصحفي الروسي فيكتور سوكيركو، في “سفوبودنايا بريسا”، حول رسالة أنقرة من المناورات التي تجريها مع باكو، على عتبة مناورات “القوقاز- 2020” الروسية التي تشارك فيها يريفان.
وكشف الكاتب أن تركيا أدخلت قواتها إلى أذربيجان قبل أسبوع من المناورات التي تجري على خلفية تفاقم الصراع الأرمني الأذربيجاني، لكن إعلان أردوغان عن المناورات العسكرية المشتركة واسعة النطاق جاء قبل يوم واحد من بدايتها، بهذه الطريقة، يرى الكاتب أن أردوغان حذر بوتين من العواقب المحتملة لـ “استفزاز” محتمل من روسيا في هذه المنطقة.
هل سيتكرر سيناريو ليبيا في أذربيجان؟
ويقول الكاتب أن احتمال تورط روسيا في النزاع الأرمني الأذربيجاني ضئيل لأن موسكو تعتبر كلاً من يريفان وباكو حلفاءها وشركاءها، لذلك تدعو إلى التسوية السلمية. ومن جهة أخرى، يدرك الكرملين جيداً أنه في حال التدخل عسكرياً في هذا الصراع في القوقاز، فستدخله تركيا. وموسكو بالتأكيد لا تريد الدخول في حرب مع أنقرة، لكن اليوم تتحدث تقارير سورية عن تولي تركيا تجنيد المئات من المرتزقة السوريين ضد أرمينيا في منطقة قرة باغ الانفصالية التي ترفض غالبيتها سلطة أذربيجان، فهل ستتدخل روسيا هي الأخرى إلى جانب أرمينيا كما حدث في ليبيا مؤخراً؟!
خلفيات الصراع على “قرة باغ”
ترجع جذور الصراع إلى عام 1923 عندما أعطت الحكومة الروسية منطقة ناغورنو- قره باغ رسمياً لأذربيجان. ولكن بعد أن تفتت العقد السوفيتي وبعد أن استقلت جمهورية أذربيجان، اندلعت الحروب بين كلٍّ من أذربيجان وجمهورية أرمينيا، كل منهما يريد ضم تلك البقعة إلى أراضيه. وكان السبب في ذلك الصراع هو مطالبة أرمينيا بتلك المنطقة لأنها ملك لها معللة ذلك بأن أغلبية سكانها من الأرمن. أدى ذلك الصراع إلى نزوح مئات الآلاف من الأرمن من أذربيجان إلى أرمينيا ونزوح مئات الآلاف من الأذريين من أرمينيا إلى أذربيجان.
طلب البرلمان في قرة باغ الانضمام إلى أرمينيا، وتم التصويت على ضم المنطقة إلى أرمينيا 20 فبراير 1988. وإعلان الانفصال كان نتيجة نهائية للآتي: “إن السلطة الأذرية السوفيتية منعت الجالية الأرمينية من ممارسة عقائدها واستخدام القيود على الحريتين الفكرية والدينية”، ولكن الأهم من ذلك، اعتبرت الحرب صراعاً من أجل الأرض، واليوم تجدد الصراع بين الطرفين، إذ تطالب أرمينية بتلك المنطقة وتدعم بعض المتمردين هناك ضد الجيش الأذري”.
واستخدمت تركيا الشعب الأذري عبر التاريخ لأهداف متعددة، فقد كان الأذريون جزءاً من جيوشها في احتلال باقي البلدان، كما ركزت تركيا على عملية التغيير الديمغرافي في باكور كردستان على الأذريين ولا سيما بعد طرح مشروع إصلاح شرق الاناضول في عشرينيات القرن الماضي، وجلبها الآلاف من العائلات الأذرية وتوطينهم في مدن باكور كردستان، واليوم تعود تركيا لاستثمار أذربيجان في خلق صراعات جديدة بالمنطقة، بعد خلقها صراعات في ليبيا وسوريا والعراق وشرق المتوسط هذا العام.
إعادة الهيمنة الدينية وراء الاستثمار التركي للشبان السوريين
ويقول مراقبون إن هذه التدخلات التركية جزء من خطاب أنقرة الهادف إلى تحويل الصراع إلى قضية دينية، والساعي لاستعادة النفوذ الذي كانت تمتلكه الإمبراطورية العثمانية، وهي إمبراطورية قومية تركية نجحت في التمدد تحت شعارات دينية، وكان مسؤولون أتراك وآخرون من حزب العدالة والتنمية صرحوا لمرات عدة بسعيهم لتنفيذ الميثاق المللي الذي يهدف لإعادة احتلال عدد من البلدان العربية وعلى رأسها أجزاء من سوريا والعراق.
وفضلا عن استثمار التعاطف الإسلامي، واستقطاب المجموعات المتشددة لأجندتها، فإن المراقبين يلفتون إلى أن تورط تركيا في التوترات وسيلة من حكومة أردوغان لتشتيت الانتباه عن المشاكل الاقتصادية في الداخل وطريقة لتجنيد المزيد من اللاجئين السوريين الفقراء تحت راية الصراع الديني ضد “الإرهابيين” لتأجيج نيران القومية والتطرف، وهو الخطاب الذي يحاول من خلاله الحزب الحاكم في تركيا تثبيت نفوذه محلياً وإقليمياً.
دعوات لكبح لجام التمدد التركي
خرجت في الآونة الأخيرة العديد من الأصوات الداعية لتشكيل حلف من دول وشعوب المنطقة ضد الخطر التركي، تصريحات إمارتية وسعودية ومصرية تنبئ بتسارع وتيرة تشكيل هذا الحلف، ويشير المراقبون إلى أن هذا المسار العدواني لتركيا سيخلق مشاكل، كلما زاد عدد الدول التي تحتلها وتهددها، يزداد معه احتمال توسيع حلف مواجهة المخاطر والأطماع التركية.
ولعل الاتفاق الاقتصادي “اتفاق غاز شرقي المتوسط” الموقع بين كلٍّ من مصر وإسرائيل واليونان وانضمام الإمارات العربية وفرنسا وإيطاليا إليها، تشكل رسالة واضحة لتركيا في المنطقة.
والتوترات شرقي المتوسط واصطفاف أمريكا وألمانيا إلى جانب اليونان ساهم في خفض أردوغان من نبرة تهديداته والدعوة لحلول دبلوماسية.
وبعد وضوح الأهداف التركية في سوريا وليبيا لغالبية الشعب السوري والشعوب العربية، هل سيتحول زج أردوغان بالمرتزقة السوريين في أذربيجان إلى قضية إقليمية على غرار ما حدث في ليبيا؟ أم أن للسياسة حسابات أخرى؟!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.