سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

الشخصيات القصصية على عتبة المكان المتفرد (2)

 آراس بيراني –


وفي قصة أخرى كان من الأحرى أن تأخذ عنوان البئر أو الدلو، تتحدث فيها عن أزمة مياه الشرب حيث المواطن المغلوب على أمره “عمران” رجل البئر أو رجل الدلو الذي يصل به الأمر بعد أن فقد كل شيء إلى جر الماء وإعادة سكبه في البئر، في إشارة لأسطورة سارق النار سيزيف الذي لا زال يعذب لليوم حسب الميثالوجيا  الإغريقية، فالمواطن في ظروف حرب طويلة قد عرته وجوعته وحرمته من أبسط الموجودات وأهونها، لتذهب بنا الكاتبة في قصة أبطالها مقاتلون ومحاربون من مدن جميلة، مشاهد معارك على أرض كوباني، واستشهاد الشاب العامودكي هناك، ولا تنسى الكاتبة أن تروي قصص مرعبة عن قطع الرؤوس والقتل والموت.

وفي إشارة سريعة ولكن ذات دلالة عميقة حينما تكتب عن تلك اليد المبتورة، تروي المعركة على لسان وعبر تقارير مراسلة حربية تفقد حياتها، فهي تشير بوجع وألم شديدين بكيفية دفنه هناك وبيد واحدة. و في كل قصصها صورة المرأة واضحة ومظاهر الظلم والاستلاب لا تغيب في أغلب قصصها.

ففي إحدى قصص المجموعة نجد الرجل العاجز جنسياً الذي يظلم معه امرأة في وقت يقف المجتمع بعمائه ضد إرادة و كرامة جسد المرأة وروحها، لتوضح لنا عبر معادلة صعبة قهر الحياة المجتمعية أو الزوجية في مجتمع تريد فيه المرأة قلب الرجل، بينما هو يريد جسدها، يتشابه الألم والوجع في كل الأمكنة، التي تنفرد بمساحات لشخصيات ذكورية نمطية في مكان واحد، مكان مجتمعي موبوء، الأحلام المبتورة والآمال المهيضة الجناح، والرغبات المترعة بالقسوة، فالحرية مبتورة كما في قصة “الفستان الأحمر”، وتعج القصص بحكايات النساء اللاتي يبحثن عن حلول رمادية أو سوداء قاهرة بعدما فقدن الأمل كما في قصة اريد ولدا. والتي ربما حملت اسم الفضيحة، فجغرافية القصص تمتد من ديريك إلى كوباني وعفرين وعامودا وسري كانيه. من مساحات جغرافية تتوالد فيها آلاف القضايا المجتمعية ومئات النساء المقموعات والمحرومات من الحياة والتعبير والحب، ورجل يمتلك رجولة، نساء يبحثن عن الحب والأمان وعن أبناء. وعن شباب يرتحلون ويسافرون.. يركبون البحر.. تحدث عن المخطوفات وحالات الاغتصاب الجماعي في الزنازين واختراق عتبة الكرامة الإنسانية، عبر قصة حملت عنوان “فيلم الحرية”.

في إشارة استهتار للمبدأ الأساسي وللهدف الحقيقي لأي ثورة حقيقية، لتنتهي المجموعة القصصية بالقصة التي حملت عنوان الكتاب، حيث بطلة القصة بذرة قمح، حبة قمح، وسنابل ذهبية رشيقة القوام تحترق في جحيم إرهاب فكري اقتصادي، لتؤرخ مرحلة سوداء من مراحل مقاومة الأرض والحجر والزرع والشجر ضد أعداء الحياة، وضد أعداء الاخضرار، وضد الجوع، تؤرخ مواسم اشتعال النيران في حقول الشمال الجميل، لتحيل الأرض إلى أرملة مكللة بالسواد والرماد.

قصص بشخصياتها المتنوعة، وعلى عتبة مكانية تتشابه لتضيق، لتتحول إلى وطن.. وطن سيبقى أخضر، سيبقى لأنه وحبة القمح توأم للعيش وللحياة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.