سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

التجربة الإيرلندية يا خال

بشار جرار –

في البداية لا بد من التنويه بأن موضوع المقالة لا علاقة له برائعة “الزعيم” عادل إمام، فيلم “التجربة الدنماركية”! ما أنا بصدده يا خال – وتلك من أحب المناداة إلى قلبي لاعتزازي بأخوالي الكرد في عاصمة سوريانا الحبيبة – هو مشاركة تجربتي الشخصية عندما كنت طالباً في بريطانيا أواسط القرن الماضي، سألني يومها أستاذي مازحاً، أفنيت عمري في دراسات الحرب والسلام ولم أتمكن من حل ألغاز وعقد الشرق الأوسط وبخاصة القضيتان الكردية والفلسطينية. كان معلمي إيرلندياً، فرددت “التحية بأحسن منها، هي بالتأكيد أكثر تعقيداً من الصراع في إيرلندا! لكن ورغم فوارق عديدة فإن القاسم المشترك الأعظم في نظري هو تداخل الدين بالسياسة واستغلال “شيوخ” المنبرين التلاعب في عواطف ومن ثم مقدرات الأفراد والشعوب لتحقيق مآربهم وغالباً ما تكون غير تلك التي في نفس يعقوب”!
لا أنبياء ولا قديسين في السياسة، فهي “فن الممكن” وهي دائبة التحرك والتغير، ومن سفسطة القول – مع احترامي للجميع – التمترس خلف ما يسمى “الثوابت”، إن كان من ثابت وحيد فهي “البوصلة” وحدها التي لا بد من التشبث بها لتفادي التيه والضياع. في التجربة الإيرلندية، احترمت كثيراً – رغم إدانتي المطلقة للإرهاب أياً كانت غايته – ابتكار الإرهابيين لآلية تبليغ الشرطة بزمان ومكان العمل الإرهابي لتفادي وقوع خسائر بشرية في صفوف الأبرياء، فحتى الإرهاب والإجرام بالإمكان الحد من منسوب الشر فيه.
في المقابل، لم تتحرج أيقونة أعرق ديموقراطيات العالم وهي هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) من منع بثّ حتى صوت جيري آدمز زعيم “الشين فين” الجناح السياسي للجيش الجمهوري الإيرلندي (المحظور كونه تنظيماً إرهابياً) على إذاعتها وتلفزيونها، الطريقة المتبعة لضمان عرض وجهات النظر كافة كانت بإعادة تسجيل تصريحاته بأداء أحد موظفي بي بي سي، فالقائمون على الإعلام يدركون أكثر من غيرهم مدى تأثير “القوة الناعمة” وبخاصة نبرة الصوت في التأثير على الجماهير.
فيا خال! أيها الكردي على امتداد الوطن والمهجر وكذلك الإخوة من إثنيات تشاركنا تجرع كؤوس الطغاة والغزاة، معركتنا الحقيقية تقوم على ركيزتين أساسيتين: سلمية وحضارية وسائل مخاطبة الرأي العام بمن فيهم العدو والخصم، بمعنى نبذ أشكال العنف كافة، وإعلاء دور الكلمة والصورة في كسب معركة “القلوب والعقول”، الاحترام طريق معبدة للمحبة، لذلك نوائم في تحيتنا التقليدية فنقول: تفضلوا بقبول المحبة والاحترام، نغفل كثيراً أن الترتيب مقلوب فالاحترام هو حجر الزاوية، إن احترمنا حقنا في الاختلاف والخلاف لن نكره وبالتالي لن نتقاتل.
لن يستطيع حر في الدنيا المزاودة على وطنية الكرد وغيرهم من موزاييك سوريانا الحبيبة ومشرقنا المجيد، جرّبنا لعقود “العنف الثوري” حتى ابتلينا بكوارث “الجهاد” الموجّه والمموّل عن بعد، ونسي بعضنا أن الجهاد الأكبر والثوري الحقيقي هو من يحسن استخدام أدوات العصر ولغته، عالم اليوم هو عالم الكلمة والرقم، وهذا زمان اللوغرتمات والمصفوفات، وهو أقل كلفة وأمضى سلاحاً من “أسلحة” عفا عليها الزمن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.