سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

احتلالٌ بذريعةِ الملكيّةِ

رامان آزاد –

بدأت تركيا تدخلها بالشأن السوريّ على أنّه مناصرة للشعب السوريّ، وتدريجيّاً تبين أنّها تقفُ وراء معظم تفاصيل الأزمة، وتستثمر البيئة الدوليّة للتدخل في المناطق السوريّة احتلالاً، ومن وقت لآخر تصدر تصريحات حول وثائق ملكيّة لأراضٍ سوريّة وعراقيّة، وأنّ أنقرة بصدد استعادة أملاكها، وبنفس الأسلوب أثارت قضية آيا صوفيا وأنها قضية ملكيّة، والغاية أبعد من مجرد أسلمة كنيسة وتحويلها إلى مسجدٍ، فهي في إطار خطة توظيف التاريخ سياسيّاً
تتذرعُ الحكومة التركيّة بوجود معالم دينيّة وقومية تعود للحقبة العثمانيّة داخل الأراضي السوريّة، وتحاول بذلك إثبات ملكيّة أراضٍ أو عقارات في تلك المناطق المحتلة، وإذا ما أخذنا إجراءات التتريك والتغيير الديمغرافيّ والتهجير القسريّ والتضييق على السكان الأصليين وتصريحاتِ المسؤولين الأتراك وما يقوله الإعلام التركيّ؛ فإن ما يجري كله ما هو إلا تمهيد للضمِّ.
عفرين ميراث تركيّ!
في 26/1/2018 نشر الإعلام التركيّ صوراً لوثائق أراد من خلالها إثبات أنّ الدولة العثمانيّة لم تخسر عفرين خلال الحرب، وأنها قاومت مع القوات المحليّة القوات الغربيّة (البريطانيّة والفرنسيّة) في المنطقة خلال أعوام (1919- 1923)
وخلال العدوان على عفرين تم الترويج لكتاب أنس دمير، وعنوانه “أرضي الميثاق الوطنيّ التي لا يمكن التنازل عنها في ضوء الوثائق الجديدة”، أفرد جزءاً مهماً من الكتاب تناول فيه تاريخ عفرين، بحكم وجودها في نطاق الأراضي المنصوص عليها في الميثاق. وفي 5/5/2018 روّجت وكالة الأناضول لخبر كتاب اسمه “تاريخ عفرين وعملية غصن الزيتون” كتبه “أنس دمير” أيضاً، ووصفته الوكالة بأرشفة التاريخ، والكتاب عملية تضليل تاريخيّة، وتتجاوز تبرير العدوان على عفرين واحتلالها.
وبحسب دمير، فقد تناول في كتابه استيطان القبائل التركمانيّة في عفرين خلال القرنين الحادي والثاني عشر الميلاديّين، وبقاء المنطقة، حتى عام 1921، تابعة للإدارة التركيّة. وفي كذبة فاضحة قال دمير: “عفرين بالنسبة لنا ميراث تركه لنا الأجداد، وقد ناضلت عفرين، دون تمييز بين أتراكها وأكرادها وعربها، ضد الاحتلال الفرنسيّ، وبقيت تابعة لتركيا”. وأشار إلى أنَّ عفرين بقيت، بفعل الظروف السائدة في تلك الفترة، خارج حدود الجمهورية التركيّة.
الدعاية التركيّة والمقر العسكريّ في راجو
وفي 2/7/2018 أوردت وكالة الأناضول حديثاً عن الدكتور “سليمان خطيب أوغلو” مدرس التاريخ في جامعة “مصطفى كمال” بولاية هاتاي، حول تاريخ وسبب وجود أتاتورك في المنطقة إبان الحرب العالمية الثانية. وأوضح “خطيب أوغلو” أنّ أتاتورك كان يتولى قيادة الجيش السابع في فلسطين، وانتقل في تشرين الأول 1918 إلى حلب، ومنها إلى عفرين. واستقر مع الوحدات العسكريّة العثمانيّة في محطة قطار “قطمة”، حيث عمل على تشكيل شبكة مقاومة شعبيّة من العناصر الكرديّة والعربيّة، كقوةٍ رديفةٍ للجيشِ. وأضاف أنَّ الجيشَ العثمانيّ والعناصر المحليّة بقيادته، حققا نصراً على البريطانيين في قطمة في معركة 26/10/1918.
وبفرضِ صحّة وجود أتاتورك في عفرين إلا أنّه مرّ بها وهو في طريق العودة، ولو كان يملك من القوة ما يكفي لما انهزم! كما أنّ الدولةَ العثمانيّة أقرّت بموجبِ اتفاق سيفر مع الحلفاء (فرنسا وإنكلترا وإيطاليا) في 10/8/1920 بالسيادةِ الفرنسيّةِ على الأقاليم الواقعة بين كيليكيا والضفة الغربيّة لنهر الفرات، وحسب المادة (7) من البيان الوارد تركوا لسوريا – الواقعة تحت الانتداب الفرنسيّ – مدن كلس وعينتاب وبيره جك وأورفا وماردين ونصيبين وجزيرة ابن عمر، أي أن تركيا قبلت بمنطقتي إسكندرون وكيليكيا جزءاً متمماً لسوريا، وبالمجمل تحت النفوذ الفرنسيّ.
وأنهت “هدنة مودروس” الموقعة في 30/10/1918، العمليات القتاليّة بالمنطقة بين الدولة العثمانيّة والحلفاء خلال الحرب العالمية الأولى. وانسحب العثمانيّون من المنطقة بالكامل، ويقرُّ المؤرخون الأتراك بأنّ بريطانيا احتلت عفرين في آذار 1919، خلافاً لمعاهدة مودروس، ما ينفي الوجود التركيّ، إلا أنّهم يسرقون مقاومة الأهالي ضد الفرنسيين، وينزعون عنها وطنيتها السوريّة لتكونَ في سبيلِ الدولة العثمانيّة.
اتفق إبراهيم هنانو مع الأتراك على دعمه بالسلاح مقابل رفعِ العلم التركيّ على معسكراتِ الثوار وعدم ترسيم الحدودِ حتى رحيلِ الاحتلال عن البلدين. وكان زعماء الثورة يتحركون بين حلب وكلس وعينتاب ومناطق الثورةِ نفسها التي تركزت بمناطق جبل الزاوية ولواء إسكندرون وجبال الساحل. ومثّل الجانب التركيّ في الاتفاقَ صلاح الدين عادل باشا قائد الجيش التركيّ بمركز مرعش، ولكنَّ تركيا أرادت من الاتفاق ابتزاز فرنسا بخصوص ترسيم الحدود، وهو ما حصلت عليه باتفاق لوزان الذي أعطاها أراضيَ واسعة، فأنهت دعمها للثوار، واقتطعت لواء إسكندرون وضمّته بالتواطؤ مع الاحتلالِ الفرنسيّ.
حنيف آغا وحقيقة المنزل
تعود ملكيّة المنزلِ للمرحوم حنيف آغا بن محمد آغا بن بكر بن محمد بن حج خليل بن حسن بالتاله خيامي، من قرية حاج خليل بناحية راجو، وكان أكبر مالكي الأراضي، تجاوزت ملكيته ألف هكتار، وتقع في قرى ناحية راجو وسهل العُمق على الحدود السوريّة التركيّة على النهرِ الأسود كما يملكُ أراضيَ واسعةً داخل الأراضي التركيّة إلا أنّ الدولة التركيّة وضعت يدها عليه.
كان لحنيف آغا دور كبير في رعاية الأرمن الذين نزحوا إلى سوريا إبان المجازر العثمانيّة بحقهم فوفر لهم المأوى والمسكن وأوصى أبناء عشيرته برعايتهم والزواج منهم، وإلى اليوم توجد سلالات من الأرمن في قرية حاج خليل.
مع بداية الحرب العالميّة الأولى دخل حنيف آغا في مفاوضات مع العثمانيين لنيلِ الكرد حكماً ذاتيّاً في مناطقهم ووعده العثمانيون بذلك بشرط أن يوقف معهم ضد قوات التحالف الغربيّ فجمع وقتها ألف رجلٍ من عشيرته ومن أبناء المنطقة ليشكّل قوة مسلحة في سبيل ذلك الطموح.

أثناء انسحاب مصطفى كمال أتاتورك من سوريا وكان وقتها قائداً للجيش السابع، وبعد هزيمته أمام الفرنسيين وصل إلى منطقة عفرين في طريقه إلى تركيا وكان حينها جريحاً نتيجة قصف الفرنسيين لقواته، وقد التجأ إلى حنيف آغا ليعالج جراحه فاستقبله الآغا حنيف بقصره ثلاثة أيام طبقاً للعادات والأعراف السائدة بالمنطقة. والآن يتبجح التلفزيون التركيّ بعد احتلال منطقة عفرين ويدّعي ملكيّة الاحتلال التركي لمنزل حنيف آغا ونيته تحويله لمتحف!! وتناول الإعلام التركيّ في 7/7/2018، تصريح والي هاتاي أردال أطا، أنّه أصدر تعليمات بإصلاح وترميم المنزل الذي أنشئ عام 1890، بهدفِ تحويله إلى متحفٍ. وهل مجرد المرور في المنطقة يمنح حق الملكيّة؟!
حنيف آغا كان رجلاً غني الأفكار وذا شخصية قوية وله أرضيّة اجتماعيّة صلبة، كما كان سياسيّاً محنّكاً فدخل في علاقات مع شخصيات دوليّة كبار في سبيل نيل الكرد لحقوقهم، وتردد إلى زيارته جنرالات وصحفيون فرنسيون، واستضاف في قصره الجنرال ديغول الذي كان وقتها قائداً للجيش الفرنسيّ في سوريا.
أراد الفرنسيون وقتها إنشاء حكومة كرديّة في “كرداغ” على غرار حكومة لبنان الكبير واقترحوا حنيف آغا لتشكيل الحكومة وأرسله الفرنسيون إلى فرنسا للتشاور فاجتمع قادة المنطقة لإقرار تلك الحكومة إلا أنَّ بعضَ آغوات المنطقة ذوي النفوذ رفضوا الفكرة خوفاً على نفوذهم وفضلوا إقطاعاتهم ومصالحهم على قيام أول حكومة كرديّة في كرداغ.
من أعماله بناء أول مدرسة في منطقة راجو وبناء جامع في قرية حاج خليل الذي سُمّي باسمة ويعدُّ أقدم جوامع عفرين كما أنشأ سوق بلدة راجو الحالي وغيرها من الأعمال.
ملكيّة مدينة الباب والموصل وكركوك
في 27/8/2017 نقلت مواقع “تركيا الآن” ووكالة الأناضول المقربة من الحكومة التركيّة تصريحات نسبتها إلى “أورخان عثمان أوغلو” حفيد السلطان العثمانيّ عبد الحميد الثاني من الجيل الرابع، قال فيها إنّ ملكية مدينة الباب الواقعة اليوم في الأراضي السوريّة، تعود لجده عبد الحميد. وجاء ذلك في كلمة ألقاها عثمان أغلو، ضمن فعاليّة بولاية قونية. وأضاف عثمان أوغلو: “اشترى جدي من ماله الشخصيّ أراض في فلسطين، وكان له أرضٌ في قطاع غزة، كما اشترى أراضٍ في أماكن أخرى، بينها مدينة الباب الواقعة اليوم شمال محافظة حلب (السورية)، ولديه سند ملكيتها”.
ومضى قائلاً: “لكن عبد الحميد حظر على اليهود شراء الأراضي في فلسطين، بعد توليه العرش، أي أنّه فطن إلى أهمية هذه الأراضي قبل مئة عام، نعم لقد فقدنا مدينتي الموصل وكركوك العراقيتين، ومدينة حلب السورية في اتفاقية لوزان، ولكن سند ملكيتهما يعود لعبد الحميد”.
سنداتُ ملكيّة لمدينة حلب وقرىً في إدلب
في تشرين الأول 2017 تحدث رئيس مكتب الأرشيف “المحفوظات” التركيّة في أنقرة، تورك أوغلو، عن آلاف الوثائق “سندات الملكية” التي تعود لفترة الحكم العثمانيّ بين (1847 – 1917)، تثبتُ ملكيّةَ أتراك في مدن الموصل وكركوك العراقيتين، وحلب شمال سوريا. وأشار أوغلو إلى أن 32 دفتراً تحتوي آلاف الوثائق المتعلقة بمدينة حلب، تم تحويلها مع الوثائق المتعلقة بالمدن العراقية إلى مجلدات بعد ترجمتها من اللغة العثمانيّة إلى التركيّة.
في 15/9/2018 أفاد “المرصد السوريّ لحقوق الإنسان” المعارض بادعاء تركيا امتلاك خمسة عشر قرية في ريف إدلب الجنوبي الشرقيّ، وقد حشدت قواتها فيها لتثبيت وجودها. وزعمت امتلاكها لوثائق من العهد العثمانيّ تثبت ملكية تلك القرى، وعُرف من هذه القرى “الصيادي والخيارة والبرسة وصراع وصريع”. بينما ادعى وزير الداخلية التركيّ سليمان صويلو أنّ “حلب” و”إدلب” ليستا سوريتين بل يتبعان لولاية “حلب العثمانيّة”.
إنّ الوثائق القديمة التي قدمتها تركيا لا تضفي أيّ سيادة على الأقاليم المحتلة أو المعتدى عليها، وفقاً لمحكمة العدل الدوليّة التي أكّدت ذلك بوضوحٍ في قضايا عديدة، وتركيا تحتلُ أراضٍ سوريّة، والسيادة على الأقاليم لا تنحصر بمجرد الحيازة أو التملك كما تزعم تركيا، وإنّما مباشرة السيطرة الفعليّة والمستقرة والطويلة والهادئة دون معارضة من دولة الإقليم.
ولكنّ السلوك التركيّ يندرج في إطار خطة استعادة خريطة الميثاق المليّ، التي أقرها مجلس المبعوثان العثمانيّ في 28/1/1920.
ما هو الميثاق الملّيّ؟
في 12/1/1920 انعقد البرلمان العثمانيّ، وبعد عدة جلسات من النقاش حول مستقبل الأتراك، وكان مصطفي كمال أتاتورك قد أعدَّ نص الميثاق مسبقاً في جلسة سريّة مع النواب “أعضاء جمعية الدفاع عن الأناضول والروم إيلي (تراقيا)” ويلاحظ أنه تم اعتماده باسم (بيان نامه) العهد الوطني واصطلح عليه لاحقاً بالميثاق الوطنيّ.
اعتبر أتاتورك ومعه القوميون أنّ “الميثاق المليّ” هو أساس بناء تركيا الحديثة بعد الهزيمة في الحرب، وعلى أساسه رُسمت خريطة جديدة لتركيا، تمّ فيها الاعتراف بخسارة الولايات العربيّة، باستثناء إقليم كردستان ومدن حلب والموصل وأجزاء من البلقان والقوقاز التي اعتبروها جزءاً من الدولة الوليدة. ولذلك يصرّح أردوغان ومسؤولو أنقرة بأنهم بصدد استعادة أراضيهم وليس احتلالاً.
أغضب إعلان الميثاق الحلفاء، وفي 3/3/1920 هاجمت القوات اليونانيّة غرب الأناضول، واحتل الحلفاء إسطنبول في 19/3/1920. فوقعت الحكومة العثمانيّة في إسطنبول مجبرة معاهدة سيفر مع الحلفاء في 10/8/1920، ورُسمت حدودٌ جديدة مغايرة للميثاق الملي ولا تتجاوز منطقة الأناضول وتراقيا الشرقيّة دون الغربيّة، وقُسّمت الأقاليم العربيّة في سوريا والعراق بما فيها مدن حلب والموصل وكردستان العراق وسوريا بين إنكلترا وفرنسا.
رفض أتاتورك المعاهدة وأعلن من “الجمعية الوطنية التركيّة” التي أسسها في نيسان 1920 عدم الاعتراف بالحكومة العثمانيّة في إسطنبول واتهمها بخيانة الميثاق الملي، وشكّل حكومة جديدة في أنقرة، واندلعت بعدها حرب الاستقلال التركيّة اليونانيّة، التي انتصر فيها الأتراك في 11/10/1922.
خرج أتاتورك من حرب الاستقلال بطلاً قوميّاً، ونالت حكومته في أنقرة اعترافاً دوليّاً، وتمت دعوته مع حكومة إسطنبول إلى مفاوضات السلام الجديدة في لوزان السويسريّة. وفي 1/11/1922 أعلن أتاتورك إلغاء الدولة العثمانيّة وحل حكومة إسطنبول، وأكّد أن وفدَ أنقرة برئاسة عصمت إينونو الممثل الوحيد للأتراك في لوزان.
استمرت جولة التفاوض الأولى من 21/11/1922 حتى 4/2/1923، وربط عصمت إينونو توقيعه على المعاهدة بالموافقة على بنود الميثاق الملي، ولكن الحلفاء رفضوا، وأيقن أتاتورك بأن حرباً ستندلع إن استمر بالمعاندة حول شروط الميثاق المليّ وخريطته وقبل بالمعاهدة التي تم التوقيع عليها بنهاية الجولة الثانية في 24/7/1923 والتي باتت تعرف فيما بعد بمعاهدة لوزان.