سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

المطابع وحركة الطباعة في شمال وشرق سوريا

دلشاد مراد – 

كان لظهور آلة “المطبعة” في العصور الوسطى، دور كبير في إحداث نقلة نوعية في النهضة العلمية العالمية، وانتقلت أوروبا بسببها من حالة الجهالة والظلمات إلى التطور الحضاري والنهضة الفكرية.
في سوريا، أثرت القيود المفروضة على ثقافات الشعوب وحرية الفكر والنشر عموماً طوال العقود الماضية على حركة الطباعة في مناطق روج آفا وشمال وشرق سوريا. ولذلك حين تحررت هذه المنطقة من إرث النظام والتنظيمات الإرهابية كان لا بد من تأسيس وفتح مطابع حديثة، من أجل طباعة الصحف والمجلات والمنشورات والكتب، بهدف تنشيط الحياة الأدبية والثقافية في المنطقة المحررة.
وبسبب الامكانيات الضئيلة في بادئ الأمر، وتعرض المنطقة لهجمات متوالية من التنظيمات الإرهابية وتركيا، والحصار المفروض على المنطقة المحررة، كانت الجهات الإدارية في المنطقة تؤمن الأجهزة الطباعية الحديثة بالتدريج، ولهذا تأخرت الصحف المحلية في الانتقال إلى الصدور بالقياس الكبير المتعارف دولياً بعد مرور حوالي ثلاث سنوات على تحرر المنطقة.
وكانت الصحف في البداية تطبع على الورق العادي وبنظام الريزو، ولذلك كانت صحيفة روناهي على سبيل المثال تتأخر في دورتها الطباعية الواحدة حوالي ثلاثة أيام (طباعة وتجميع)، وبعد تأمين أجهزة طباعية حديثة والعمل على نظام “الرول” تسارعت الدورة الطباعية، وأصبحت صحيفة روناهي تطبع آلاف النسخ منها خلال ساعات. ولكن بقي نظام التجميع بشكل يدوي، ولذا تستغرق عملية الطباعة ككل وقتاً إضافياً، وهذا هو أحد الأسباب المانعة للانتقال إلى الصدور اليومي للصحف المحلية.
وبسبب انعدام تواجد المطابع في مناطق شمال وشرق سوريا قبل عام 2011م،  انعدمت الخبرات الطباعية البشرية، وهو ما أثر على تشغيل الآلات الحديثة في المطابع الموجودة، ونوعية الانتاج الطباعي، وكذلك على إعادة تشغيل الآلات في حال حدوث أعطال فيها. وعلى الرغم من تأمين بعض الخبرات من الداخل السوري إلا أن ذلك لم يفي بالغرض المطلوب.
وعلى الرغم من افتتاح عدة مطابع حديثة، أولها مطبعة سيماف في مدينة قامشلو والتي تطبع فيها الصحف والمجلات والمنشورات والكتب. ومن ثم مطبعة الشهيد هركول في مدينة ديريك والتي تختص بطباعة الكتب، وطباعة الصحف والمجلات في حال تعذر طباعتها في مطبعة سيماف. إلى جانب مطابع أخرى (مطبعة حديثة في عفرين قبل احتلالها، مطبعة في كوباني…). وهناك مطابع أهلية صغيرة في مدن قامشلو وغيرها. إلا أن ذلك لم يمنع حدوث مشاكل وأزمة طباعية، من ناحية الجودة والنوعية، وأيضاً السرعة، وتأمين خدمة الطباعة. وذلك بسبب وجود كمٍّ كبير من المطبوعات في المنطقة، أي أن هناك زيادة طلب على الطباعة مقارنة بعدد المطابع الموجودة. ولذلك شهدت حركة طباعة الكتب الأدبية والثقافية شبه انقطاع خلال السنة الأخيرة، بسبب تفرغ مطبعة ديريك لطباعة مناهج التدريس في الإدارة الذاتية.
إن حركة الطباعة والمطابع لها تأثير كما ذكرنا سابقاً على الحياة الأدبية والعلمية بشكل عام في أي منطقة كانت، ولذا فان تجاوز أزمة الطباعة وتطوير حركة النشر في شمال وشرق سوريا، يستدعي توفر أحدث الآلات ومنها أجهزة التجميع الآلي والذي سيساعد على انتقال الصحف إلى الصدور اليومي، وإلى الاستفادة من عامل الوقت من خلال تسارع الدورات الطباعية بشكل أكثر، كما أن طباعة مناهج التدريس يستدعي توفر مطبعة جديدة خاصة بها، وعدم إيقاف حركة طباعة الكتب، وتأمين الخبرات الطباعية من خلال اللجوء إلى أساليب وطرق متعددة ومنها إرسال مجموعات تدريبية إلى البلدان الصديقة والمعروفة بتطور حركة الطباعة فيها أو العكس.

التعليقات مغلقة.