سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

التوظيف الدينيّ في الحرب السوريّة

تحقيق/ رامان آزاد

بدأ ظهورُ المصطلحات الدينيّة منذ بداية الأزمة السوريّة، وكان التكبيرُ والتهليلُ أولى الإشارات، اللذين تحولا إلى طقوس ثابتة على مدار الوقت، فيما زادت وتيرة استخدام المصطلح الدينيّ بمرور الوقتِ، ولم يقتصر استخدامه على أسماء الفصائل المسلحة، بل كان لافتاً أنّ أسماءِ المعاركِ وغرفِ العملياتِ التي شهدتها سوريا مستمدةٌ من النصِّ الدينيّ، إما اقتباساً حرفيّاً مباشراً أو في المعنى والدلالة.
كثيرٌ من الفصائل التي شاركت في “الحرب السوريّة” ذاتِ خلفيّةٍ دينيّة وذكرت في بيانات تأسيسها أنّها تعملُ على تأسيسِ كيانٍ سياسيّ إسلاميّ في سوريا. ولذلك لم تنفكُ تستخدم المصطلحات الدينيّة مثل (غزوة، مجاهدين، غنائم). وبشكلٍ عام كانتِ الغاية من التوظيفِ المباشرِ للدينِ بالحربِ تعزيزَ العوامل المعنويّة ومحاولة للتماهي بالتاريخِ، ولذلك اعتبرت كلّ مكاسب المعارك غنائم، وتعدّت التسمية حتى فيما تتم سرقته من البيوت وما يُسلب من الناس بالقوةِ والتهديدِ، وإذا كانتِ الفدية تُطلبُ في أصلها لقاءَ إطلاقِ سراحِ أسرى الحربِ مع المحافظة على سلامتهم، فقد تمّ التوسّع بذلك والقيام بأعمالِ الخطف والاعتقال القسريّ والمطالبة بفدياتٍ كبيرة، فكان ذلك مصدراً مباشراً للتمويلِ.
 معارك محليّة بتسميات تاريخيّة وقرآنيّة
لعلّ قادة الفصائل اعتقدوا أنّهم يستنزلون أسباب النصر عبر إطلاق تعابير قرآنيّة على معاركهم، وبنفس الوقت التأثير على العناصر التابعين لهم، وهذا عدا الأسباب العقائديّة، ولكن المسألة بقيت في إطار الشكلانيّة فيما كان السلوك العام غير منسجم مع الشعارات المطروحة. ومن جملة ما تم تداوله من أسماء للمعارك وغرف العمليات نذكر:
“معركة الفرقان”
معركة الفرقان أو “معركة تحرير حلب” أعلن عنها في 20/7/2012ووضع هدفُ السيطرة على مدينة حلب، وبدأت المعركة على محورين غربي في أحياء السكري وصلاح الدين وشرقي من منطقة الشيخ نجار وإلى أحياء الصاخور والشعار وقاضي عسكر والميسر والنيرب وباب الحديد، وفي تسمية المعركة قال عبد القادر الصالح قائد لواء التوحيد إنّ معركة الفرقان ستفرّقُ بين الحق والباطل. والفرقان اسم سورة في القرآن.
 “المغيرات صبحاً”
أعلنت ما تُسمّى “غرفة حلب المركزيّة” معركة “المغيرات صبحاً” في 25/12/2012 بهدفِ السيطرة على المطارات العسكريّة بمحافظة حلب وبلدة خان العسل والأحياء الغربيّة لمدينة حلب والمنشآت التعليميّة العسكريّة والمقرات الأمنيّة، وجاءت هذه العملية بعد إعلان “جبهة النصرة” نيتها استهداف كافة الطيران، واشترك فيها 12 فصيلاً هم (جيش المجاهدين، حركة نور الدين الزنكيّ، تجمع أصار الخلافة، لواء الحق، فيلق الشام، كتيبة القدس، حركة إباء، كتائب ابن تميمة، كتائب أبو عمارة، الفرقة 101، شهداء بدر، كتيبة المستضعفين)، وتألفت من سبع مراحل. والمرحلة السابعة بدأت في 19/7/2013.  وفي 1/8/2014 بدأت الغزوة السابعة للسيطرة على مداخل مدينة حلب الغربيّة
ويعودُ الاسم لآية في سورة العاديات، وتعني المغيرات صبحاً في تفسير ابن كثير إغارة الخيل صبحاً في سبيل الله، وكذلك قال الطبري، وذكر الإغارة علانيّة.
 “العاديات ضبحاً”
أعلنت “غرفة حلب المركزيّة” معركة “العاديات ضبحاً” في 21/9/2013، استكمالاً لمعركة المغيرات صبحاً، في ريف حلب الشرقي والغربيّ والجنوبيّ، ووضعت هدفاً نهائيّاً لها بالسيطرة على كامل مدينة حلب، وقطع طرق الإمداد بين مطار حلب ومعامل الدفاع شرقاً، وفصل الأكاديمية العسكريّة عن الراموسة، وتمّت خلالها بالسيطرة على مناطق واسعة في ريف حلب الجنوبي، أبرزها خان طومان وخان العسل وريف المهندسين، ومدرسة الشرطة وصولاً إلى البحوث العلميّة وحي الراشدين، وكانت المعركة الوحيدة التي نُفذت بالكامل في حلب.
تعودُ التسميةُ إلى (الآية 1) من سورةِ “العاديات” بالقرآن الكريم، “والعاديات ضبحاً” والعاديات هي الخيلُ والضبحُ هو صوتُها وهي تعدو، وحسب تفسير ابن كثير فهي ” قسمٌ بالخيل الذي يُغير في سبيلِ الله”. وقالتِ الفصائلُ حينها إنَّ الاسمَ ليس لمجرّدِ الاستئناسِ بكونها آيةً قرآنيّةً، بل هو مرتبطٌ باستراتيجياتِ المعركةِ والتي توقعوها أن تكونَ كبيرةً وذات آثارٍ كبيرةٍ.
 “الأنفال”
أعلنت معركة “الأنفا
ل” في 21/3/2014 من قبل فصائل إسلاميّة بما فيها “جبهة النصرة التي أطلقت الاسم فيما تم اعتمد ما سمي “المجلس العسكريّ الأعلى” اسم “معركة أمهات الشهداء”، وتم تداول مشاركة تركيّة فيه، وتعتبرُ أحد أهم معاركِ الساحل السوريّ، وكان يُراد عبر إطلاق المعركة تخفيف العبء عن الداخل، وسيطرت فيها الفصائل الإسلاميّة على مدينة كسب و3 مخافر حدوديّة (كسب، الصخرة، نبع المر) قرية السمرة ومخفرها والمناطق الجبلية والساحلية القريبة منها، والمعبر الحدودي مع تركيا، وانتهت المعركة في 15/6/2014 باستعادة قوات النظام السيطرة على تلك المناطق. و”الأنفال” سورة مكيّة مدنيّة بالقرآن الكريم، ونزلت إثر اختلاف المسلمين على غنائم معركة “بدر”، وأكّدتِ السورةُ أنَّ الأنفال (الغنائم) هي لله ورسوله، وفق تفسيراتٍ متقاربةٍ.
 “بدر الشام الكبرى”
أعلنتها مجموعة فصائل من بينها الجبهة الإسلاميّة والتي ضمّت ألوية (الإيمان، خطاب، المهاجرين والأنصار) وأجناد الشام وجند الأقصى وجبهة ثوار سراقب وجبهة الحق، في 25/7/2014 وهي من أبرز معارك ريف حماة الشمالي، تمّ خلالها استهداف مطار حماه العسكريّ بصواريخ “غراد” وتدمير 4 حوامات وطائرة مقاتلة، والسيطرة على بلدتي خطاب والزارة وتلة الشيحة والوصول إلى مشارف المدينة، خلال حزيران وآب 2014، إلا أنها ما لبثت أن تراجعت وخسرت مكتسباتها في أيلول الذي يليه.
ويعود أصل التسمية إلى غزوة “بدر الكبرى” التي وقعت عام 2هـ قرب بئر بدر بين مدينتي مكة والمدينة، بين المسلمين بقيادة النبي (ص) من جهة، وقريش وحلفائها، وكانت أول انتصار للمسلمين، وعلامة تاريخيّة فارقة.
 “فضربُ الرقابِ”
في 15/11/2014 أعلن عن معركة “فضرب الرقاب”، واشترك فيها غرفة عمليات فتح والتي تضم (جبهة النصرة، حركة المثنى وجبهة أنصار الإسلام ولواء توحيد الأمة وحركة أحرار الشام الإسلاميّة)، وحُدّد الهدفُ في محيط منطقةِ الشيخ مسكين. وتمَّ خلالها السيطرةُ على بلدة الدلي والخربة وكادت أن تنجح في فتح طريق إلى ريف دمشق الغربي. ويعودُ أصل التسمية إلى آية وردت في سورة محمد في القرآن الكريم: “فإذا لقيتم الذين كفروا فضربُ الرقابِ حتى إذا أثخنتموهم فشدّوا الوثاق فإمّا منّاً بعد وإما فِداء حتى تضعُ الحربُ أوزارَها ذلك ولو يشاءُ اللهُ لانتصرَ منهم ولكن ليبلوَ بعضَكم ببعضٍ والذين قُتلوا في سبيلِ الله فلن يضلَّ أعمالهم”.
 اليوم الموعود
كما أعلنت في 15/11/2014 في أقصى شمال درعا معركة “اليوم الموعود” واستهدفت (تل عريد وتل الخربة ومعمل الأعلاف ومعمل الكلور) واشترك في هذه المعركة أربع غرف هي (فجر التوحيد، اليرموك، الطريق إلى دمشق، النصر المبين). والاسم مأخوذ من (الآية 2) من سورة البروج بالقرآن.
 “ادخلوا عليهم الباب”
وبدأت “جبهة الشام” معركة “ادخلوا عليهم الباب” وضمت الجبهة ألوية (شهداء دمشق، برق الإسلام، حمص الوليد، أهل العزم)، وكانتِ المعركةُ من مرحلتين، بدأتِ الأولى في 3/11/2014 والثانية في 14/11/2014 بهدف السيطرة على الشيخ مسكين وتمت خلالها السيطرة على بلدة نوى، وتعود التسمية إلى الآية 23 في سورة المائدة “قال رجلانِ من الذين يخافون أنعم الله عليكم ادخلوا عليهم البابَ فإذا دخلتموه فإنكم غالبون…”
 “ذات الرقاع”
وهي تسمية لمعارك أطلقها “جيش الإسلام” في الغوطة الشرقية والقلمون الشرقي بريف دمشق، بدأت في 8/8/2016 وتألفت من 4 مراحل وقد بدأتِ المرحلةُ الرابعة في 1/9/2016، وأُعلن أنّ الغاية من المعركةِ في مراحلها الأربع “الإغارة على نقاط قوات النظامِ على جبهة من مطار مرج السلطان إلى مبنى البحوث الزراعيّة في الغوطة الشرقيّة”، والاستيلاء على عدد من الآليات والأسلحة المتنوعة.
ويعودُ أصل الاسم إلى “غزوة ذات الرقاع” عام 4 هـ، حارب فيها المسلمون بقيادة النبي (ص) وأصحابه بني ثعلبة وبني محارب من غطفان، وسُمّيت لأحد سببين: إما لترقيع الرايات قبل الغزوة، أو لشجرة بذاتِ الموقع تحمل اسم ذات الرقاع، بحسب المصادر التاريخيّة.
“وحرّض المؤمنين” 
هي غرفةُ عملياتٍ تشكّلت في 15/10/2018 وضمّت فصائلَ جهاديّة رفضت اتفاق سوتشي 17/9/2018 وهي (حراس الدين، جبهة أنصار الدين، فصيل أنصار التوحيد، أنصار الإسلام)، وقالت إنّ الهدف من تشكيل هجوميّ وليس دفاعيّ، وأنها تسعى لإخراج القوات الروسيّة وتحكيمِ شريعة الله. وقد أعلنت في 9/7/2019 معركة في جبل التركمان وجبل الأكراد بريف اللاذقية باسم “فإذا دخلتموه فإنكم غالبون” وتضمنت سلسلة من العمليات الانغماسيّة وشارك فيها “الجبهة الوطنيّة للتحرير” والمجلس العسكريّ التركمانيّ وفي 12/7/2019 نفذت عملية في ريف حلب الجنوبي (محور حريشة)، وفي 18/11/2019 نفذت عملية في ريف حلب الشماليّ قرب تل علوش، وفي 27/11/2019 نفذت عملية انغماسيّة في جبل الأكراد منطقة جب الأحمر بريف اللاذقية.
لاقت الغرفة استحسان منظري الجهاد في سوريا، وفي 18/11/2019 أعلن عبد المحيسنيّ الداعية المرتبط بالقاعدة، دعمه للمشروع ” الجهاديّ الجديد”.
ويعود الاسم إلى آية 84 في سورة النساء: “فقاتل في سبيلِ الله لا تُكَّلفُ إلا نَفسَكَ وحرّضِ المُؤمنين عسى اللهُ يكُفَّ بأسَ الذين كفروا واللهُ أشدُّ بأساً وأشدُّ تنكيلاً”
“الفتحُ المبينُ”
في 9/5/ 2019 شُكّلت غرفة عمليات مشتركة ضمّت كلّ الفصائل العاملة في إدلب، ولا يبدو في تشكيلِ الغرفة أنّها راعت اتفاق سوتشي، واللافت أنّ أسماء الفصائل لا تشير إلى انتمائها السوريّ وهي (هيئة تحرير الشام، جيش العزة، الحزب الإسلاميّ التركستانيّ، أجناد القوقاز، حراس الدين، جبهة أنصار الدين، جبهة أنصار الإسلام، جماعة أنصار التوحيد، كتيبة الإمام البخاري، كتائب الفتح، فيلق الشام، جيش الأحرار، حركة  أحرار الشام، ألوية صقور الشام، جيش النصر، جيش إدلب الحر، الفرقة الساحليّة الأولى، الفرقة الساحليّة الثانية، الفرقة الأولى مشاة، الجيش الثاني، جيش النخبة، شهداء إسلام داريا، لواء الحرية، الفرقة 23، لواء أحرار الشمال، تجمع دمشق)
الحق المبين اسمٌ عامٌ لعدةِ معارك في ريف إدلب الجنوبيّ وريف حماة الشماليّ، فقد تحولت إلى غرفة عملياتٍ لأكثرِ من مرحلة، وتضم (الجبهة الوطنيّة للتحرير، هيئة تحرير الشام، جيش العزة) وجاءت بعد مرحلةً باسمِ “دحر العدوان”، وقبل ذلك خِيضت معاركٌ بأسماء مثل “كسر العظم” التي أطلقها جيشُ العزة، و”دحر الغزاة” التي أطلقتها الجبهة الوطنية للتحرير، و “غزوة المعتصم بالله المدني” التي أطلقتها “هيئة تحرير الشام”.
ففي 27/6/2019 نفذت الغرفة عملية في قرية القصابيّة بريف إدلب الجنوبيّ، وفي تموز بدأت معركة بهدفِ نقلِ الاشتباكِ إلى مناطقِ ريف حماه الشمالي وتأمين كفرنبودة بريف إدلب. وفي 30/11/2019 أعلنت غرفةُ عملياتِ “الفتح المبين” بدءَ عمليةِ “لا تهنوا” بريف إدلب الجنوبي الشرقي، وقالت في بيانها “فلينتظرِ العدو منا ما يخلعُ القلوبَ ويهددُ الأركانَ”،
واختارت الفصائل في وقت سابق عدداً من الأسماء لمعاركها مثل “كسر العظم” التي أطلقها جيش العزة، و “دحر الغزاة” التي أطلقتها الجبهة الوطنية للتحرير، و “غزوة المعتصم بالله المدنيّ” التي أطلقتها هيئة تحرير الشام.
بعدما فتحتِ الفصائل محاور قتالٍ واقتربت من مناطق هامة للنظام بريف حماة مثل محردة والسقيلبية. فقد تهاوتِ الدفاعاتُ بعد بدء قواتِ النظامِ معارك ريف إدلب الجنوبيّ، فتوالت الانسحابات من عدة بلدات ومدن (خان شيخون، كفرزيتا واللطامنة ومورك، معرة النعمان)، وفي 21/1/2020 أصدرت غرفة عمليات الفتح المبين بياناً تحذيريّاً أهالي ريف حلب بالابتعاد عن خطوط الجبهات. واسم “الفتح المبين” يعود إلى الآية 1 من سورة الفتح: “إِنِّا فتَحنَا لَكَ فَتحَاً مُبِيناً”.
“لا تَهِنُوا”
 تعود في تسميتها إلى آية 35 في سورة “محمّد” “فلا تَهِنُوا وتدعُوا للسَّلمِ وأنتُمُ الأعلَونَ واللهُ مَعكُم ولن يَتِركُم أعمَالَكُم”، ووفق تفسير الطبري، لا تضعفوا عن “جهاد المشركين”، وتدعوهم إلى الصلحِ والمسالمة وأنتم القاهرون والعالون عليهم.
عمليّاً لم يُسفر استخدام المصطلح الدينيّ عن أيّ نتائج عمليّة في الميدان، ولعلّ سبباً غير مباشر يكمن وراء الاستخدام وهو إرضاء الأطراف الممولة والداعمة. وما يحدث اليوم من معارك بعد سقوط سراقب يؤكد أنّ عوامل سياسيّة وجملة توافقات تتحكم بالقرار العسكريّ ورسم خرائط الميدان.

التعليقات مغلقة.