سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

التناص.. كرديّاً (1)

آراس بيراني

التناص يعد من أهم المصطلحات النقدية في العصر الأدبي الحديث رغم وجوده كحالة كتابية أو شفاهية منذ بدايات تاريخ تدوين الأدب، حيث التآلف ما بين نصين أو أكثر ممارسة عمليات التضمين أو الاقتباس أو المعارضة أو التراكب والتداخل ما بين صورتين أو فكرتين، حيث لا يستطيع أي كاتب أن يستغنى عن هذه العملية التي تسعى إلى بلورة نص جديد، وباعتبار اللغة ظاهرة إنسانية لا تنقطع عن الماضي وتمضي نحو المستقبل فالتناص هو وليد التراكمات اللغوية، الثقافية والفكرية وخاصة التناصات الأدبية على مستوى الشعر أو الرواية، ورغم أن مفهوم التناص وملاحظته نظرياً، و كقاعدة نقدية قديم جداً ألا أن الناقدة والكاتبة جوليا كريسيفا عام 1966م، كانت السبّاقة إلى طرح مصطلح التناص وآلياته وأشكاله ومظاهره وسماته، وكان قد سبقها الكاتب الروسي ميخائيل باختين بوضع اللبنات الأساسية لفلسفة نقدية جديدة لفهم فحوى النص الأدبي برؤية مختلفة، وبات ضرورة كتابية ومنهجا نقدياً وأداة لمتابعة حلول جزء من النص أو بعض مفرداته أو فكرته الأساسية في نص آخر، ومن الأشكال التناصية التي من الممكن تصنيفها بعمومية هما: التناص الظاهري اللاشعوري حيث لا يعلم الكاتب أن ثمة صورة أو فكرة متداخلة نتيجة قراءته أو خياله أو ذهنيته التي عاشت نفس الظروف والصراعات، كما في الأناشيد الوطنية أو القصائد الغزلية، وأما التناص الظاهري الشعوري فهو يتجه للأخذ من نص آخر فكرة أو مفردات بعينها عن قصد وذلك ليدعم بنيان نصه الجديد، ولذلك فهو ليس وليد الصدفة، وبالتالي فهو بأحد شقيه استمداد وتوالد ونتاج جديد تراكمي من مما سبقه من أمثال وديانات وأساطير وترجمات آداب أخرى اختلطت ومضت نحو إنتاج أو ولادة نص جديد، شبيهة بالطبيعة مع إضافة عناصر وفرة إبداعية ربما لا تستطيع تجاوز النص الأساس وليس الأصلي فليس ثمة نص أساس بالمطلق فكل الذي نراه هو تناص من تناص لتناص وهكذا، وهو نتيجة الترسبات والاحتكاكات الثقافية والفكرية والخلفية التراثية والفكرية في الأدب
بمعنى آخر.. لا وجود لنص بكر.. نص (عذراوي)
لا وجود لنص جديد.. نص هو، وليس سواه
فكل الكتابات هي تناصات لتناصات لتناصات وصولاً للأساطير التي هي بدورها تناصات للغات حكائية مستندة أساساً إلى تناصات اللغة المحكية بعد أن تم تشذيبها وسردها عبر عصور طويلة من الشفاهية.
كما لا جديد تحت الشمس فأنه لا جديد في مضمار النصوص كل النصوص متوالدة وتتوالد و تتناسل، ناهيك عن الترجمة التي تعد بشكل من الأشكال نقل ثقافة إلى ثقافة أخرى، عبر نقل النص كاملاً من لغة إلى لغة ثانية، فإذا أراد القارئ أو الناقد أن يصل إلى فهم عميق للنص عليه أن يدرك تناصاته وتداخلاته مع النصوص التي سبقته، فالنص يتحول إلى فسيفساء من مفردات ونصوص صغيرة ويتحول إلى نص أكثر سعة أو أعمق كثافة وينتقل من حالة فردية إلى حالة جمعية يكاد يكون نتاجاً جماعياً وأن يأتي بتوقيع شاعر أو روائي محدد، وربما نجد مثل هذا التداخل أو التفاعل التناصي واضحاً في الفن التشكيلي أو الموسيقي أيضاً، فالمقامات والجمل اللحنية تتَناصص مولِّدة لحناً آخر.

التعليقات مغلقة.