سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

عبد السلام أحمد: ثورة 19 تموز نتاج عقود من النضال والثورة

حاوره / رفيق ابراهيم –
لم تأتِ ثورة التاسع عشر من تموز 2012 في حالة ارتجاليّة نتيجة ظروف طارئة شهد الوطن السوريّ، لا بل إنّها اختارت مساراً مختلفاً عن طرفي الصراع فرجّحت الخيار الوطنيّ على أيّ خيار آخر، ولم تُستدرج إلى الصراع المسلّح أو اتخاذ موقف مناوئ للدولة كمفهوم سياديّ وكذالك المؤسسات الخدميّة، بل كانت ردّاً على سياسات الإقصاء والتهميش والشموليّة للنظام القائم، الذي انتقص من جميع الحقوق وقيَّد الحريات العامة واتَّبع سياسة الظلم والجَور والقمع، ضد الشعب السوريّ بشكلٍ عام والشعب الكرديّ بشكلٍ خاص.
بعد أحداث عام 2011 في سورية والتي انطلقت من درعا؛ أصبحت الأرضية مُهيَّأة لقيام الثورة في روج آفا التي كانت تملك ميراثاً ثورياً لعقود من الزمن، واستندت إلى ذاكرةٍ مليئة بالأحداث آخرها انتفاضة آذار في عام 2004 عقب الأحداث المأساوية التي وقعت في الملعب البلديّ بقامشلو. إذاً فالأرضيّة كانت جاهزة وهذا ما أدّى إلى قيام شعوب المنطقة بدورها النضاليّ والطليعيّ للشعب السوريّ، فكانت ثورة التاسع عشر من تموز عام 2012 والتي انطلقت من كوباني الرد المناسب على الفراغ الأمنيّ. وأخذت حركة المجتمع الديمقراطيّ التي تولَّت مهمة قيادة المرحلة على عاتقها تنظيم الشعب ووضعت الخطط والبرامج والاستراتيجيات للمرحلة وعلى شتى الأصعدة فهيأت الظروف كي تنجح الثورة، بعيداً عما انتهجه الآخرون من طرق عسكرة الثورة وتبعيتها للآخرين، فاتخذت الخط الثالث وهو خط تحقيق الإرادة الشعبيّة وتأمين متطلبات الناس والدفاع عن المكتسبات التي تحقَّقت. ولمعرفة المزيد عن هذه الثورة ولماذا انطلقت وما هي الأهداف التي قامت من أجلها، كان لصحيفتنا حوارٌ مع العضو الإداريّ في حركة المجتمع الديمقراطيّ عبدالسلام أحمد وفيما يلي نص الحوار:
– في هذه الأيام تحتفل الشعوب في روج آفا بثورة التاسع عشر من تموز عام 2012م ما هي ثورة تموز كلمحة موجزة؟
ثورة التاسع عشر من تموز التي كانت انطلاقتها من قلعة المقاومة تلك القلعة التي تكسَّرت أحلام مرتزقة داعش وداعميهم على أسوارها لم تأتِ صدفة، لكنها أتت على أسس سليمة وميراث ثوريّ ونضاليّ طويل يمتد لعشرات السنين، ومن المعلوم أن الشعب في روج آفا لم يهدأ قط في سبيل تحقيق طموحاته في الحرية والديمقراطيّة. ووقف باستمرار في وجه استبداد وظلم النظام الحاكم، وخير مثال على ذلك انتفاضة الشعب في قامشلو في العام 2004 والتي وقفت بكلِّ جرأة أمام الآلة القمعية للنظام، واستطاعت أن تثبت بأن الشعوب إذا ما أرادت أن يكون لها القول الفصل فسيكون لها ذلك، وبالفعل امتدت تلك الانتفاضة إلى جميع المدن السورية، وتعدَّت الحدود السورية أيضاً. وكانت بالنتيجة تشديد القبضة الأمنية على مناطق روج آفا بالحديد والنار، ومع مجيء آذار 2011م امتدت شرارة ما سُمِّي بالربيع العربي إلى سوريا وأنا لا أُسميها بالربيع العربيّ بل هي ربيع الشعوب المتطلعة إلى الحرية، دخلت المنطقة وبخاصة روج آفا مرحلة جديدة من النضال بعدما تهيأت جميع الظروف بأن لتكون هناك ثورة شعبيّة ضد الممارسات القمعيّة التي كانت تمارس من قبل النظام البعثيّ في سورية، وفي التاسع عشر من تموز من العام 2012 تحرّكت القوى الشعبية، وحرَّرت جميع المؤسسات التي كانت ترتبط بالنظام السوريّ في ثورة شاملة على ممارسات النظام ووصايته على الحياة العامة وتجاهل حقوق شعوب المنطقة.
ــ لو تحدثونا عن أهم الإنجازات التي تحقَّقت خلال سنوات الثورة الماضية؟
ببزوغ شمس التاسع عشر من تموز في كوباني كان لا بد من السير بالثورة إلى مناطق روج أفا الأخرى، لتخليص تلك المناطق وتحريرها من ظلم النظام الذي امتدَّ لعقود من الزمن، وبالفعل اتخذ القرار وتتالى تحرير المناطق لتصل إلى الحدود العراقية من جهة الشرق وجبل الأكراد من جهة الغرب. حيث تمّ إخلاء روج آفا من المراكز الأمنيّة والشرطة التابعة للنظام وبذلك حقَّقت الثورة أولى خطواتها الهامة، وهي إخراج النظام من جميع مدن وبلدات روج آفا، ولكن المتربصين بمنجزات الثورة عملوا على إفشالها فدعموا المجموعات الإرهابية والمرتزقة وأرسلوهم لمناطقنا، ليجعلوا منها مناطق للحرب والصراع. لكننا كنا يقظين لما يجري من حولنا وكانت المؤسسات العسكريّة والأمنيّة من أهم أولوياتنا التي عملنا على إنشائها للدفاع عن مناطقنا، فكانت وحدات حماية الشعب والمرأة وقوات الأسايش وقوات الحماية المدنيّة، لعلمنا أنّ هناك مؤامرة تُحاك ضدنا، فتصدّينا لجميع تلك المخططات التي استهدفت المكاسب التي تحققت نتيجة ثورة التاسع عشر من تموز. وكسرنا شوكة المرتزقة الإرهابيين من المجاميع التي أرسلت إلى سري كانيه وقضينا على أحلامهم وأحلام داعميهم هناك، ومن ثم حاربونا بشتى الوسائل الممكنة ليقضوا على الثورة في مهدها لكنهم أُصيبوا بخيبة أملٍ كبيرة، عندما وقفنا سداً منيعاً أمام تحقيق أهدافهم. وبالنتيجة نأينا بمناطقنا عن الحرب التي جرت وتجري في المناطق السورية الأخرى، والجميع يعلم أنَّ مناطق روج آفا هي مركز الأمان في كامل الأراضي السوريّة، ولذلك تشاهد في مدننا من جميع أطياف الشعب السوريّ الذين فرُّوا من أهوال الحرب الدائرة في مناطقهم. وكانت الإدارة الذاتية الديمقراطيّة التي أقيمت وبمشاركة جميع شعوب ومكونات المنطقة من عرب وكرد وسريان وكلدان وأرمن وشيشان وسواهم من إنجازات الثورة الهامة وكانت تجربة رائدة بكل المقاييس، حيث عملت على إدارة المناطق وحمايتها عبر مؤسساتها وهيئاتها التي أوكلت إلى كل واحدة منها المهام المنوطة بها.
-كما هو معلوم انطلقت ثورة التاسع عشر من تموز من مدينة كوباني، ما أسباب انطلاقتها من كوباني؟
كما قلت سابقاً كانت السياسة العامة للنظام السوريّ المستبد في جميع مناطق روج آفا هي بنفس السوية، بمعنى أن جميع المناطق تم تهميشها وكانت سياسة الحديد والنار هي التي تمارس فيها، واتبع النظام السوري سياسة شوفينيّة عنصريّة وتنكَّر لأبسط الحقوق المدنيّة. وكانت هناك اعتقالات بأسباب ومن دونها للشباب والسياسيين والناشطين وحظر اللغة الكرديّة، وباستطاعتي القول: إنه كانت هناك سياسة إقصاء عامة في هذه المناطق. ولماذا من كوباني في الحقيقة لا تختلف الممارسات التي كانت تحدث في كوباني عن المناطق الأخرى، ولكن قد تكون الانطلاقة منها لكونها كانت الأكثر تهيئة لتكون مركز الانطلاقة، ولتمتدَّ بعد ذلك إلى مدنٍ ونواحٍ وقرىً في روج آفا بأكملها.
-ماذا بخصوص المراحل والمحطات الهامة التي مرَّت بها الثورة منذ انطلاقتها حتى الآن؟
بالطبع مرَّت ثورة التاسع عشر من تموز بمراحل عدة؛ وكان تنظيم المجتمع في البداية من أهمها، ومن ثم تم تشكيل المؤسسات الخدمية ولجان للحماية والدفاع عن الشعب، للاهتمام بالأمور المعاشية والخدمية والتي تهتم بالحفاظ على الأمن والأمان للمواطنين والدفاع عنها ضد أي اعتداء قد تتعرَّض له. ومن ثم تطورت مع مرور الزمن حتى كانت الإدارة الذاتية الديمقراطية في المقاطعات الثلاث الجزيرة وكوباني وعفرين، ومن ضمنها العمل المؤسساتي من خلال الهيئات التي أُنشئت ليتمَّ من خلالها تقديمُ ما أمكن من خدمات عبر المؤسسات المرتبطة بها، وأيضاً كانت هناك هيئات مهمتها الدفاع عن مكتسبات الثورة التي تحقَّقت، حتى وصلنا إلى واجب الدفاع الذاتي وهو حق وواجب على كل شاب في روج آفا. وأصبحت مناطق الإدارة الذاتية الديمقراطية رقماً صعباً في المعادلة السياسة للحلول السورية، لما لها من وزن وثِقَلٍ عسكريّ وسياسيّ، وإن تعرَّضت هذه الثورة لمحطات مؤلمة وصعبة. وبخاصة في كوباني عندما تعرَّضت لذلك العدوان الشرس من قبل مرتزقة داعش وبدعم مطلق من الدولة التركية، ما أدى إلى تدمير القسم الأكبر من المدينة وتشريد أهلها. ولكن الإرادة القوية للشعوب الحرة والإيمان القوي بالانتصار الحتميّ على قوى الشر والظلام؛ أدت إلى تقهقر الإرهابيين والمرتزقة على أسوار مدينة المقاومة التي سطَّرت حروف اسمها على بوابات التاريخ بأحرف من ذهب. ومن المحطات المؤلمة أيضاً تعرُّض مدينة عفرين للاحتلال التركيّ في الشهور السابقة من هذا العام، في لعبة ومقايضة دوليّة إقليميّة وبالنتيجة تمَّ التنازل عن عفرين لتركيا. والمؤامرات لم ولن تنتهي للنيل منا وهناك خطر جدّي على روج آفا، حيث يتكالب الأعداءُ المتربصون بالثورة لإفشالها ولينتهزوا الفرص المناسبة لإقصاء الشعب في روج آفا عمّا تحقق لهم. ولكننا واثقون بانّ الثورة مستمرّة ولا يمكن لأيّ أحدٍ كان أن يُوقفَ عجلتها، وهي ماضية في تحقيق الأهداف التي انطلقت من أجلها، وشعوب المنطقة لن تقبل بالعودة إلى ما كانت عليه المنطقة إلى ما قبل قيام ثورة التاسع عشر من تموز.
-لماذا اتخذتم الخط الثالث نموذجاً للسير والمضي في قيادة الثورة وتحقيق النجاح لها؟
بإمكاني القول: إنَّ الخط الثالث هو الخط الذي اعتمد على مطالب الجماهير بمعنى هو الذي يتخذ من الجماهير الشعبيّة كداعم أساسيّ لها، عندما انطلق الحراك الجماهيريّ السلميّ في درعا وما لبث أن انحرف عن مساره وبدأ الصراع على السلطة، من خلال المجاميع التي ظهر أنَّها تقف في وجه النظام فتبيَّن أنهم بعيدون كلَّ البعد عن المطالب الحقيقية للجماهير، وتبين أنَّ الذين يقودون تلك المجاميع همُّهم الوحيد الوصول إلى دفة الحكم في سورية. ولكننا في الخط الثالث كان انحيازنا لمطالب الجماهير ووجدنا أنه من الواجب الانخراط ضمن هذه المطالب، ونحن لم نسعَ يوماً في الوصول إلى السلطة لأنّ همنا الوحيد هو الوصول إلى وطن ديمقراطيّ حر يكون مصلحة الفرد والمواطن فوق كل الاعتبارات، وتكون الدولة السوريّة تعدُّدية تشاركيّة لا مركزية ويكون وطنناً للجميع وبغض النظر عن العرق أو الدين أو اللون، ولأن قراءتنا للمشهد كان صائباً نجحت الثورة في تحقيق أهدافها.
-الآن وأنتم تطوون العام السادس من عمر ثورة التاسع عشر من تموز، هل حقَّقتم المرجو من الخطط التي وضعتموها في الأعوام السابقة وما هي مشاريعكم المستقبلية؟
كما أوردت سابقاً؛ الأعداء يتربصون شراً بالإدارة الذاتية الديمقراطية وهم عملوا على إفشالها مرات ومرات، ففي البداية تعرضت التجربة الوليدة لهجمات عديدة بدءاً من الجيش الحر ومن ثمَّ جبهة النصرة ثم مرتزقة داعش، ولا ننسى سلبيّة النظام فلم يبادر أبداً لحلّ القضية الكرديّة حلاً ديمقراطيّة أو يقر بوجودهم، وهناك الدولة التركية التي تحاربنا وتعادي مشاريعنا الديمقراطية، وما جرى في عفرين ليس ببعيد. وعلى الرغم من وجود هذه التحديات الكبيرة استطعنا الوقوف على أرجلنا، وألحقنا هزيمة نكراء بمرتزقة داعش وحقَّقنا الأمن والاستقرار في المنطقة، وحاربنا عن العالم أجمع مرتزقة داعش وحررنا المساحات الواسعة من احتلالهم ومن ضمنها مدينة الرقة التي سُمِّيَت عاصمة الخلافة ، وهذا مشهود لنا من قِبل جميع دول العالم. واستطعنا أيضاً توفير الخدمات الضرورية واللازمة للمواطنين ضمن الإمكانيات المُتاحة لدينا، وعملنا على تحقيق ما خطَّطنا له وتنفيذه على أرض الواقع قدر المستطاع، بالرغم من حالة الحصار التي فُرضت علينا والهجمات الوحشية التي تعرَّضنا لها من قبل داعش المدعومة من الدولة التركية بشكلٍ مباشر.
-في ختام هذا الحوار هل لكم من إضافة او مناشدة؟
هذه الثورة حققت مكتسبات عدة وهامة خلال سنوات من عمرها وكل ذلك كان لها ثمن، والثمن كان باهظاً وكلفنا الكثير من دماء شهدائنا الذين لبوا نداء الوطن وقدموا أرواحهم قرابين لترابه الطاهر. لذلك علينا ترسيخ مبدأ الأخوة والتشاركيّة التي تؤدي بالنتيجة إلى وحدة صف شعوب المنطقة ضد المخططات التي تستهدف أمنها وبقاءَها، ويجب أن نعمل على مواصلة النضال والسير في ركب الثورة حتى تحقيق المطالب الشعبية كاملةً. وعلى شعوب المنطقة وبمختلف لغاتهم وأديانهم التيقُّظ لما يُحاك ضدهم من مؤامرات تهدف إلى زعزعة الأمن والاستقرار وهي السمة الأبرز لهذه المناطق، وإلى إثارة النعرات الطائفية والمذهبية بين أبناء الوطن الواحد، والمطلوب هو وحدة شعوب شمال سورية والوقوف صفاً واحداً وإفشال جميع المشاريع التي تؤدي إلى زرع الفتنة بيننا. كما أناشد القوى والمنظمات الدوليّة للقيام بمسؤولياتها والعمل الجاد لوقف نزيف الدم السوريّ.

التعليقات مغلقة.