سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

الوطنُ عالمٌ بِلا خَرائِط

آراس بيراني

“لو أستطيع البكاء في منزل مهجور، لو أستطيع أن أعلـق قلبي، مقلوباً على دربك، في عالم بالٍ عتيد وأبكي.. لو أستطيع أن أنكسر، ألف وألف مرة  أبكي وأخفي ألمي، لو أستطيع أن أصب لعنتي وأملأ كأس الندم وأبصر الوطن يبعد عنا في ألم!”
  (جن داني- شاعر صيني)
جن داني شاعر تأملي نهل من حكمة الصين ومن تراثها العريق الموغّل في القِدم.. يستطيع أن يبكي وأن يخلع قلبه ويرميه في الطريق أو يعلقه كمشكاة وأن يبكي ويشرب كأس الندم، وأن يغلق على روحه باب بيته المهجور.
لكنهُ لا يقوى الفكاك عن هجر الوطن، كل تلك الآلام تغرز مخالبها في قلبه وتتحول دموعه إلى دماء وهو يبكي، في حركة جعل من ذاته التواقة للوطن ثابتة والوطن كائن يتنفس ويتكلم ويصرخ ويتألم ويمشي فيبتعد أما هو فيحمل الوطن في جوارحه، كما نحن الكُرد؛ فلا خريطة لأرضنا، ولا خريطة لأحلامنا المنهوبة، ولا خريطة نعلقها على صدر مضافاتنا.
كل البشر حينما يغادرون أوطانهم يتركونها خلفهم في تخومها وحدودها، وعلى مكاتبها الرسمية أعلامها وراياتها تخفق في فضاءاتها الرحبة، أما نحن الكُرد فوطننا  ليس خريطة نعلقها على جدران مدارسنا، أو يرسمه أطفالنا على دفاترهم المدرسية ويلونون جباله باللون البني وأنهاره باللون الأزرق وسهوله باللون الأخضر، أو آه يا لبذخ الخرائط وهي ترتع بالألوان وتسورها الأحلام وتحيا في الآمال.
عالم بلا خرائط وليغفر لي الراحل عبدالرحمن منيف لاستعارة اسم أهم رواية من رواياته كعنوان لهذه الوقفة السريعة أمام بهاء الوطن، الكُرد في ترحالهم وسفرهم يحملون الوطن في قلوبهم وفي أحلامهم، ولعلها هنا تكمن الشيفرة السرية في قدرة الكردي على السفر والتغرب ومقاومة آلام الغربة والبعد عن الأهل وعن المراتع.
ولتسمح لي الشاعرة الكردية “فيروز رشك” أن أستعير منها صورة جميلة وردت في إحدى قصائدها قائلة أن أمها لا تفهم الشعر ولكنها تبكي حينما تسمع “ليس للكردي ألا الريح”.
عبر آلاف السنين والكردي بين مجد وعز وضياع، بين فوز وخسارات فادحة، والشاعر الصيني “جن داني” يصرخ بألم “دعني انكسر مئات المرات على أن يبقى وطني”.
الوطن ليس قميصاً نرتديه وليس فندقاً من سوية النجمة الواحدة أو خمس نجوم أو السبعة نجوم، ننزل فيها ونمارس الاستجمام واللهو ونمضي بعد أن نسدد فاتورة الإقامة، فللوطن فاتورة لا تمهر بختم ولا تصرف من أي مؤسسة.
والوطن ليس بالضرورة أن يكون جميلاً حتى نعشقه، فلو كان الوطن أرضه صخرية ونباتاته شوكية واخزة وطيوره غربان فقط ومياهه ضحلة مالحة وسماؤه كالحة، ولوكان بارداً أو حاراً قريباً أو بعيداً من خط الاستواء أو مراكز القوة والطاقة، وإن كان جوفه الأرضي الخالية من النفط أو الغاز، حتى لو خلا من الملح أو الحديد، فأننا نراه جميلاً على الدوام، وغنياً، نقياً، وجميلاً جداً ليس لشيء، فقط لأنه الوطن “الذي نبصره يبعد عنا في ألم”.
……………………………………………………………………………………..
*آراس بيراني، من مواليد سري كانيه ١٩٦٨م، درسَ علم الاجتماع في جامعة دمشق، عضو مؤسس لجمعية روانكة الثقافية، محرر بمجلة بابيسوك الصادرة باللغتين العربية والكردية، ناشط مسرحي، كاتب وناقد أدبي وفني، عمل في مجال الإعلام والإنتاج التلفزيوني في عدة مؤسسات في سوريا. يقيم مؤقتاً في الحسكة.