سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

الدستور السوري بين الواقع والطموح -2-

تحقيق/ فيروشاه أحمد –
اجتمع ممثلو الشعب في بداية الاستقلال1950م لوضع دستور للبلاد (سورية) كي يحققوا أهداف مقدسة تليق بهذا الشعب، فاعتمدوا على قيم نبيلة منها العدل، وأسسٍ تضمن لكلِّ مواطنٍ حقَّه من خلال توفير قضاء نزيه في ظل حكم جمهوري ديمقراطي حر.
وأكد الدستور على ضمان الحريات العامة والأساسية لكل مواطن، كون الحريات العامة هي التي تسمو بالفرد وتحقِّق كلَّ معانيه الشخصية والإنسانية، إلى جانب نشر ثقافة روح الإخاء، وتعزيز شعور الانتماء للوطن لكل فردٍ، فالوطن بحاجة إليه من خلال قيامه بالدفاع عنه، بشرط أن تعمل الدولة على تحرير المواطن من حالات الفقر والمرض والجهل، والاهتمام بإقامة نظام اقتصادي يحقق للكل العدالة الاجتماعية، ومن جانب آخر تُعزِّز ثقة المواطن بالدولة من خلال وضع سياسة واضحة في الحقوق والواجبات، وتثقيف وتقويم شخصيته، كي يحسَّ بأنه مسؤول عن الوطن من خلال ثقافة وطنية، هذه مقدمة الدستور وهي جزء لا يتجزأ منه. ومن الملاحظ أنَّ أغلب مواد هذا الدستور لم يتطرَّق إلى مفاهيم قومية ولا دينية، بقدر ما يؤكد على الانتماء للوطن بغضِّ النظر عن العِرق والدين والطائفة، وكانت بداية حقيقية لبناء المواطن الحقيقي الذي يعتزُّ بانتمائه للوطن دون النظر إلى انتمائه القومي والديني. وككل الدساتير في العالم يتناول كل القضايا من خلال فصول متعددة ولكل فصل مواد محددة، لا يمكن أن ننسخ كل الدستور هنا بقدر ما يهمنا المواد التي تتناول حقوق القوميات والأقليات التي تعيش في سورية ومنهم الكرد، الفصل الثاني من المادة 16 تنص على (للسوريين حق الاجتماع والتظاهر بصورة سلمية ودون سلاح)، أما المادة 18 من الفصل نفسه؛ فنصت على (للسوريين حق تأليف الأحزاب السياسية على أن تكون غاياتها مشروعة ووسائلها سلمية). من يقرأ هذين البندين يتأكَّد من أنَّ هذا الدستور كان أكثرَ رقياً من كل الدساتير التي جاءت فيما بعد، لأن السلطات المتعاقبة منعت كل ما يدعو للرفض من خلال التظاهر، وأن التعددية الحزبية تجعل من الحياة الانتخابية منافسات شريفة من خلال برامج تلك الأحزاب، الفصل الرابع المادة 71 ينص على ( ينتخب رئيس الجمهورية من قبل مجلس النواب وبالتصويت السري) والمادة 72 تحدد مدة رئاسة الجمهورية منذ انتخابه، ولا يجوز تحديدها إلا بعد مرور خمس سنوات كاملة على انتهاء الرئاسة، ألا يعني بأن سورية كانت تعيش حالة ديمقراطية، ولو حافظت الحكومات على هذه المواد وعملت بها لما دخل الشعب السوري الآن في حروب وويلات وتهجير وإقصاء؟.

دستور الأسد الأب

دستور سوريا وتعديلاته 1980م:
الباب الأول ـ المبادئ الأساسية ـ الفصل الأول، المادة 8 (حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد في المجتمع والدولة!). من هذه المادة الدستورية يمكن القول: إنَّ بداية النهاية باتت واضحة لكل المراقبين داخل وخارج سورية، لأن هذه المادة رسمت إطاراً واضحاً لتطلعات الشعب السوري، وبمختلف تياراته وأحزابه السياسية، فلا صوت يعلو فوق صوت البعث، وهذا تأكيد فاضح على أن الشمولية في الحكم أصبح فاقعَ اللون، لأنَّهم عطلوا الحركة السياسية بشكلٍ كامل.
المادة 21 من الفصل الثالث (يهدف نظام التعليم والثقافة إلى إنشاء جيل عربي قومي اشتراكي علمي التفكير مرتبط بتاريخه وأرضه من أجل تحقيق أهداف أمته في الوحدة والحرية والاشتراكية)، أما هذه المادة فقد أصبحت كالسيف على رقاب كل من لا ينتمي للعروبة وما أكثرهم!، فإما أن ترتشف من ذاكرة العروبة كل ثقافتك أو لا ثقافة لك. المادة 39 من الفصل الرابع الحريات والحقوق والواجبات (للمواطنين حق الاجتماع والتظاهر سلمياً في إطار مبادئ الدستور، وينظم القانون ممارسة هذا الحق)، من يقرأ نص هذه المادة يشعر بالسعادة، وكأنها من نصوص دساتير بعض الدول الراقية، فمنذ البدايات كانت الأحكام العرفية تمنع أي تجمع أو تظاهر في عموم شوارع سورية، وإلا كان القتل والاعتقال مكافأة كل متظاهر.

دستور الأسد الابن

في الشهر السادس من عام 2000م تم تعديل المادة 83 من الدستور السوري، ووقَّع عليها نائب رئيس الجمهورية عبد الحليم خدام، فأصبحت المادة على الشكل التالي (يشترط في من يرشح لرئاسة الجمهورية أن يكون عربياً سورياً متمتعاً بحقوقه المدنية والسياسية، متماً الرابعة والثلاثين عاماً من عمره).
هذه المادة هي من قصمت ظهر البعير حين استعجل كل من له مصلحة بوضعها، وكأن الدستور قطعة قماش يمكن التحكم بها حسب مقاسات من يعتلي أعلى الهرم السياسي. دستور 2012م هو الخامس للبلاد منذ ولادة سوريا الحديثة عام 1920م، جاء هذا الدستور نتيجة دخول سورية في أزمة سياسية، وكردِّ فعل لتصحيح وجهة البلد وهي مجموعة إصلاحات منها: (المساواة بين المواطنين، والاعتراف بالتنوع الثقافي، ويسمح بالتعددية السياسية والفصل بين السلطات). لكنها ومع الأسف ما زالت رهن القيد والاعتقال من قبل الرئيس، في حين بقي البرلمان معطلاً خالياً من أي صفة.
الفصل الأول ـ المبادئ الأساسية ـ المادة 7 القسم الدستوري: (أن أرعى مصالح الشعب وحرياته، وأن أعمل على تحقيق العدالة الاجتماعية). لو التزمت الحكومة فقط بتطبيق شروط العدالة الاجتماعية لما دخل الشعب السوري هذه الأزمة ولما جرى ما جرى من حروب وقتل وتهجير؛ لأن العدالة الاجتماعية تُصحِّح كل الأزمات بين الشعب والدولة، ويحصل كل فرد ومكون على حقوقه السياسية من خلال دستور وطني.
أما المادة 8 من فصل المبادئ الأساسية، التي تؤكد على عمل الأحزاب السياسية بأنه لا يجوز مباشرة عمل أي حزب أو نشاط سياسي على أسس دينية أو طائفية أو قبلية أو مناطقية، أو على التفرقة بسبب الجنس أو العرق أو اللون.
أما المادة 9 ومن الفصل نفسه تقول: (يكفل الدستور حماية التنوع الثقافي للمجتمع السوري، بجميع مكوناته، واعتبار هذه الثقافة تراثاً وطنياً يعزز من وحدة المكونات ووحدة الأرض السورية).
الباب الثاني ـ الفصل الأول من الحقوق والحريات، المادة 33 (المواطنة مبدأ أساسي يتمتع بها كل مواطن، ويمارسها وفق القانون، والكل متساوٍ في الحقوق والواجبات لا تمييز بينهم بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة).
المادة 53 من الفصل الأول من الباب الثاني (لا يجوز تعذيب أحد أو معاملته معاملة مهينة ويحدد القانون عقاب من يفعل ذلك).
المادة 86 من الفصل الأول من الباب الثالث، السلطة التشريعية ـ سلطة الدولة، (ينتخب رئيس الجمهورية من الشعب مباشرة).
المادة 88 من الفصل والباب نفسه (ينتخب رئيس الجمهورية لمدة سبعة أعوام ميلادية، ولا يجوز إعادة انتخاب رئيس الجمهورية إلا لولاية واحدة تالية).
مجمل هذه المواد تم صياغتها حديثاً، وهي تعبِّر وتؤكد على مدنية وديمقراطية محتواها، وهي دعوة حقيقية للعمل وفق حالة الانتماء لسورية، لكن الأهواء السياسية والأجندات الداخلية المرتبطة بالسياسات الخارجية التي فجرت الأزمة السورية حالت دون تطبيقها، وكأن الأزمة أصبحت شماعة تُعلَّق عليها كلُّ أخطاء النظام والمعارضة.
دستور سوريا 2017م
وكالة سبوتنيك
مسودة روسية لمشروع سوري جديد، أضافت صلاحيات للبرلمان منها المادة 44 من المسودة:
ـ إعلان الحرب.
ـ تنحية الرئيس.
ـ تعيين حاكم المصرف المركزي.
ـ تعيين المحكمة الدستورية.
المادة 49 البند الأول والثاني: (ينتخب رئيس الجمهورية والمحدد بسبعة أعوام ميلادية من قبل مواطني سورية في انتخابات عامة ومتساوية ومباشرة وسرية، ولا يجوز انتخاب الشخص نفسه لمنصب رئيس الجمهورية إلا لولاية واحدة تالية).
تقترح المسودة إزالة تعابير تشير عربية الجمهورية السورية وإحلال اسم الجمهورية السورية للتشديد على ضمان التنوع في المجتمع السوري. ومن البند الثالث من المادة نفسها (بصفة التراث الوطني الذي يعزز الوحدة الوطنية، يتم ضمان التنوع الثقافي في المجتمع السوري). البند الثاني من المادة الرابعة (تستخدم أجهزة الحكم الذاتي الثقافي الكردي ومنظماته اللغتين العربية والكردية كلغتين متساويتين)، وتشير المسودة إلى ضرورة مراعاة التمثيل النسبي لجميع الأطياف الطائفية والقومية لسكان سورية في التعيينات الحكومية، مع تخصيص بعض المناصب لتمثيل الأقليات, هذه المواد وغيرها شكلت لدى الجماهير والأوساط السياسية ردود أفعال متباينة، تمثَّلت برفض أغلب المكونات والأحزاب لهذه المسودة. من جهة أخرى لا بد أن نتناول ولو باختصار ما تناولته مسودة مشروع هذا الدستور من النواحي السياسية والاجتماعية وغيرها كافة، لقد بدأ من التسمية فقد ألغى كلمة العربية واكتفى بالجمهورية السورية، كون سورية ليست لمكونٍ واحد، وبهذا يحسُّ كل فرد بانتمائه بغض النظر عن هويته القومية واللغوية، وألحقه ببند يلغي الديانة المرافقة للرئيس، فيما اختارت جمعية المناطق بدل الإدارات المحلية وأعطتها صلاحيات أفضل، مقابل العمل على مبدأ العدالة الاجتماعية، هذا المشروع بمجمله يختلف عن دستور 2012م. أما ما يتعلق بالكرد فقد أكد الدستور الروسي بضرورة وجود الحكم الذاتي الثقافي الكردي، لكن من الأولى أن يعرف الروس بأن الكرد ليسوا حالة ثقافية فحسب، بل هم القومية الثانية في سورية، وهذا يتطلب الاعتراف الدستوري بلغتهم وتدريسها في مدارسهم إلى جانب اللغة العربية، وإدارة مناطقهم مع المكونات الأخرى، هذا الاعتراف الدستوري سوف يقطع شوطاً جيداً في بناء عملية السلم الأهلي، وهذا المدخل سوف يعمل على تأمين أمن الدولة داخلياً وخارجياً، والحفاظ على استقلالها ووحدة أراضيها، والعمل للوصول بالحالة السورية إلى بناء مجتمع مدني تسوده الديمقراطية والتعدُّدية السياسية.
يحتاج الشعب السوري بكل مكوناته وأعراقه ودياناته لوضع دستور خاص بهم، يدون وفقاً لإرادتهم ومنطلقاً من تطلعاتهم وآمالهم، وأن يكون ديمقراطياً لا يقصي أيَّ مكون، بل يحتضن الجميع؛ وهذا ما ينهي الأزمة السورية ويحل محلها السلم والأمان والعيش المشترك.
الخلاصة
في كل القضايا الوطنية تتوحد إرادة الشعب، وفي الأزمات التي تلحق بالوطن يتخلى كل الشعب عن انتماءاته السياسية والقومية والطائفية ويعلن عن انتمائه للوطن فقط.
في سورية ومنذ بداية أزمتها 2011م انقسم السوريون على أنفسهم، فأصبحوا مِللاً ونحلاً، فكلٌّ يغني على ليلاه السياسي والطائفي، في الشمال السوري لم يكن الكرد بتلك الصيغة الضيقة، بل عملوا على وحدة كل المكونات والتصدي للإرهاب، فكان مشهداً اجتماعياً قلَّ نظيره في كل سورية، بل عمل على بناء المؤسسات المدنية والخدمية والاهتمام بالمرأة والشباب والبيئة والحث على العيش المشترك وأخوة الشعوب.
أمام هذا العمل الوطني والمجتمعي يأتي من يقول لا للدستور الذي يعطي للكرد حقهم الثقافي واللغوي والتاريخي، وكأن الكرد من كوكب آخر ودماء أبنائه من مياه آسنة، ولا يدري بأن للكرد حقاً طبيعياً وقانونياً ودستورياً في سورية، لأنهم منذ البدء عملوا على إحياء وتفعيل الثقافة المجتمعية التي تتساوى فيها المكونات كلها دون استثناء، وأي دستور سوري يتجاوز الكرد هو دستور غير عادل، ولا يمكن لهذا الدستور أن يستمر كونه لا يحمل في طياته حقوق القوميات والأقليات في عموم سورية.
المراجع.
ـ مسودة روسية لمشروع سوري جديد……..وكالة سبوتنيك.
ـ صياغة الدساتير في التحولات الديمقراطية…المؤسسة اللبنانية للسلم الأهلي الدائم.

التعليقات مغلقة.