سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

تجارب التاريخ والمخاطر التي تواجه شعبنا

زكي شيخو –

يقال كثيراً أن التاريخ يُكتب بيد المنتصرين والجبابرة والسلطويين، في حين تاريخ تضحيات الشعوب والطبقات الدنيا أو المهزومين شبه معدومة وإنجازاتهم يتم محوها، أو تنسيبها للقادة والملوك والزعماء المنتصرين على الضعفاء أو نتيجة مصالح الدول.
إبادة شعوب وحضارات بأكملها
فالبحث عما كتبه المنتصرون عن تاريخهم وإنجازاتهم ليس بالأمر الصعب، وليس فيه مخاطرة ومجازفة بمصداقية ومهنية الكاتب والباحث، بقدر المخاطرة والمجازفة في البحث والنبش عن حقيقة تاريخ ضحايا سياسات وجرائم قوات هؤلاء المنتصرين، الذين وسعوا رقعة جغرافية دولهم وإمبراطورياتهم ونفوذهم السياسي والاقتصادي على حساب إمحاء تاريخ وثقافات المهزومين والضعفاء ومسلوبي الإرادة والشعوب المحتلة أوطانهم، ودماء وإبادة شعوب أخرى بأكملها. واتباع سياسات ممنهجة للقضاء عليهم وتغيير ديموغرافيتهم وتطهير أراضيهم بوسائل متعددة أغلبها تبدأ بالوسائل العنيفة الإجرامية، بحيث يتبعها أساليب وحروب أخرى منها نفسية وإدارية واقتصادية واجتماعية وثقافية، ليتم في نهاية الأمر القضاء على جميع عوامل ومقومات الحياة لدى تلك الشعوب وتشبثهم بميراثهم التاريخي وأملاكهم المستولي عليها بقوة السلاح والنار.
تشويه وتحريف التاريخ الكردي
الدول المستعمرة لكردستان وعلى رأسها الدولة التركية، والمأجورين من المرتزقة والكتاب والإعلاميين بأقلامهم المسمومة ساهموا بهذه الممارسات، ولا زالوا مستمرين في ذلك ضد الشعب الكردي منذ عقودٍ طويلة، لطمس الهوية وتشويه وتحريف التاريخ الكردي، وإنهاء وجوده كشعب يعيش على جغرافية مترابطة الأطراف يشكلون فيها الأغلبية القصوى. وآخر أفعالها المجرمة التي تمارسها دولة الاحتلال التركية احتلالها لمدينة عفرين الكردية، وهي تريد احتلال المزيد من المناطق والمدن ذات الأغلبية الكردية، وتصر بأنه باستطاعتها المضي قُدماً في مشروع الإبادة ضد كل ما يرتبط بالكرد، متناسية أن تاريخ الشعب الكردي منذ آلاف السنيين يكتبها المقاومون والثوار الكرد ويسقونها بدمائهم الزكية، جاعلين من كل حجر وشجر ينبض بالروح والذاكرة ليثبتوا وجود هذا الشعب، الذي يضرب بجذوره في أعماق التاريخ، والكرد ومنذ آلاف السنين يقاومون ويصمدون في وجه المحتلين، ولا بد للحق أن ينتصر في النهاية، ويسقط المستعمر الشوفيني وأدواته الرخيصة وأقلام مثقفيه المسمومة أمام صرح الحقيقة الكردستانية.
أردوغان رئيس الدولة التركية المحتلة الذي يهدد بشكل يومي الكرد أينما وجدوا ليرسم سياسات عدوانية ضدهم، ويطلق تهديداته المباشرة لارتكاب المجازر بحقهم ليسلب وينهب أملاكهم ويحتل مناطقهم، ويقوم بإحداث تغيير ديمغرافي ليمحي وجودهم والى الأبد، بينما يستمر المجتمع الدولي والعالمي الإسلامي في صمتهم المعهود بسبب هوية الضحية.
حجة الأمن القومي كذبة تركية
 في تصريح له قبل أيام قليلة تطرق الرئيس التركي إلى موضوع ما تسمى بالمنطقة الآمنة المزمع تشكيلها في الشريط الحدودي بين سوريا وتركيا وقوات سوريا الديمقراطية، وفق الاتفاق المنعقد في السابع من الشهر الجاري بين الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا، بحجة مراعاة المخاوف الأمنية للأخيرة من توسع الدور الكردي في سوريا، وانعكاسات كل ذلك على وضعها الداخلي قائلاً: نجري مباحثات مع واشنطن حول إقامة (المنطقة الآمنة)، لكن في كل خطوة نخطوها نشاهد أن ما نريده ليس الشيء نفسه الذي يدور في عقولهم، بما معناه أن أمريكا تعرقل مشاريع تركيا في القضاء على الوجود الكردي. والتخلص مما تخطط له تركيا من تغيير ديمغرافي في المناطق الكردية، وذلك بتوطين أكثر من مليون لاجئ سوري الهاربين من مناطق ومحافظات سورية أخرى يعيشون في تركيا، بعد أن يتم ترحيل السكان الأصليين منها، والاستيلاء على أملاكهم وثرواتهم ونهبها وتقديمها إلى هؤلاء اللاجئين كرشوة لقبول الوضع الجديد، والإقامة في تلك المناطق وتحت الإشراف التركي وجعل تلك المنطقة تركية وخالية من الكرد، كي يبقوا أقلية لا حول لها ولا قوة، وهذا المخطط التأمري صرّح ويصرح به المسؤولين الأتراك على رأسهم أردوغان بشكل علني وبشكل يومي، فعندما أكد أردوغان مؤخراً نقلت عنه وكالة الأناضول للأنباء “بأن أكثر من 350 ألف لاجئ سوري عادوا إلى مناطقهم وكان يقصد المستوطنين في عفرين، وأن ملايين اللاجئين السوريين سيعودون عندما نحل مشكلة منطقة منبج وشرقي الفرات، وتحويل حزام الشمال إلى (منطقة آمنة)” حسب قوله. وفي الوقت ذاته يبتز ويهدد الدول الأوروبية المتخاذلة حتى اللحظة أمام سياسته العدوانية قائلاً: “أن تركيا ربما تفتح الطريق إلى أوروبا أمام اللاجئين السوريين ما لم تتلقَ دعماً دوليا كافياً” أردوغان يريد أن يجر الدول الأوروبية إلى مخططه هذا، وبأموالهم ليقوم بارسال و توطين ملايين اللاجئين في المناطق ذات الغالبية الكردية، والقضاء على الإدارة الذاتية وإنهاء وجودهم بشكل نهائي عبر التغيير الديمغرافي، وحرمانهم من الحصول على حقوقهم المشروعة، كمقايضة بدلاً من ذهاب هؤلاء اللاجئين إلى الدول الأوروبية، الذين يعانون من أزمة اللاجئين مسبقاً ولديهم مخاوف جادة حول هذا الموضوع.
ومن خلال مؤتمره الصحفي المشترك في الرابع من هذا الشهر مع رئيس الوزراء التشيكي كشف أردوغان بعض ملامح خطته العدوانية هذه، بأنهم بالتعاون مع الدول الأوروبية يجب إقامة مثل هذه المنطقة على الحدود التركية، بحيث تستطيع تركيا بمساعدة الدول الأوروبية لوجستياً وبناء بلدات فيها بدلا من المخيمات في تركيا. ونقلهم الى تلك المنطقة وبناء منازل بمساحة 250-300 متر مربع تحوي مزارع على الطريقة الإسرائيلية في عمق 30 كيلومتراً وعلى طول 450 كيلومترا في شمال سوريا، وتوفير أوضاع معيشية أفضل ولتمكين اللاجئين من زرع وحصد محاصيلهم وتلبية احتياجاتهم، في حين لم يطرح أحداً عليه بالسؤال هل هؤلاء اللاجئين الذين تنوي إعادتهم هم من مناطق شمالي سوريا الأصليين؟ وهل ستقام هذه المستوطنات على أراضي خالية من السكان، أم إنه سيطرد أصحابها وسلب ونهب أملاكهم وتفريغ قراهم ومدنهم ومنحها لهؤلاء اللاجئين؟
صمت المجتمع الدولي دليل تخاذل
لم يتم أي رد رسمي حتى الآن من قبل الدول الأوروبية والاتحاد الأوروبي إزاء هذه التهديدات والمخططات التركية الشريرة، هذا يدل على ضعف الموقف الأوروبي وعدم امتلاكهم حلول جذرية لمواجهة سياسات الدولة التركية العدوانية تجاههم وتجاه عموم شرق الأوسط.
لنبحث قليلاً في ثنايا التاريخ ونقرأ بعض صفحاته كيف تم تنفيذ هكذا مشاريع لإبادة الشعوب وتغيير ديمغرافية مناطقهم.
الدور الروسي المحوري لتهيئة الأرضية لانهيار الامبراطورية العثمانية وتشتيتها وتقزيمها وإذلالها، وإزالة وتقزيم وجود شعوب واثنيات مسلمة في كل من المناطق القفقاسية. في القرون ما قبل الاجتياح الروسي أي منذ بداية الألفية الأولى وحتى قبل الحرب العالمية الأولى، كان المسلمون يشكلون أقلية كبيرة في مناطق القوقاز كالقرم والمناطق المحيطة بها، وفي إقاليم عديدة كالجركسية والابخازية واللازية والداغستانية واذربيجان والشيشان وما يسمى اليوم ارمينيا وغيرهم، وصولاً إلى جنوبي شرقي الاناضول وشمالي قفقاسيا. والتي كانت تحت سيطرة الامبراطورية الفارسية والعثمانية بشكل مباشر أو بشكل رمزي، عن طريق العلاقات الوطيدة وتقديم الولاءات. هنا أريد ذكر بعض الأمثلة التي لا زالت حية في ذاكرة الشعوب وتم تدوينها في صفحات الكتب التاريخية، لكن أتمنى من القارئ العزيز مقارنة ذلك بكل ما يحدث ويتم ممارسته اليوم في عفرين الجريحة، ومحاولة تطبيقها في المناطق الأخرى من روج آفا وشمال شرقي سوريا، من قبل الدولة الفاشية التركية ومرتزقتها من المجاميع الإسلامية المتطرفة إضافة إلى دور بعض الكرد السلبي كطابور خامس ضد أبناء جلدتهم.
حسب المصادر التاريخية المتعددة فإنه نتيجة هجمات التوسعية الاحتلالية الروسية نحو بحر قزوين، والمناطق القوقازية وشرقي الأناضول ضد مناطق نفوذ الفرس والعثمانيين، منذ أواسط القرن السابع عشر حتى بدايات القرن العشرين والحرب العالمية الأولى، وعلى عدة مراحل تم إبادة وازالة وطرد شعوب واثنيات مسلمة متعددة في قفقاسيا. تم إبادة وطرد التتار من القرم ومسلمي شمال القفقاس وأرمينيا الروسية، ومات الملايين منهم وفر الملايين الآخرين إلى الامبراطورية العثمانية والفارسية، نتيجة الرعب والإرهاب والأساليب اللاإنسانية التي اتبعت تجاههم، بين عامي 1821-1922  أجبر الملايين من المسلمين على مغادرة أراضيهم ومات الملايين منهم، أو قتلوا نتيجة المعارك وهلكوا بسبب المجاعة والأمراض والأوبئة والبرد، وأكثر ضحاياهم كانوا من الأطفال والنساء الذين لاقوا الويلات والبؤس والحرمان والممارسات، كالحرق والاغتصاب والتعذيب واستبدلتهم بشعوب أخرى مسيحية ارثوذوكسية ومن السلافيين والقوزاق والروس وأرمينية الأكثر ولاءً لها، وبعد ذلك تأسست أقاليم ودول حديثة متجانسة اجتماعياً إلى حد ما وفق النظرية الداروينية البقاء للأقوى، على حساب معاناة سكانها، نتيجة الاستعمار والغزو الروسي لمناطق القفقاس وشرقي الأناضول قتل ملاءين من الجركس والابخاز واللاز والأتراك والكرد.

التعليقات مغلقة.