No Result
View All Result
المشاهدات 2
لا شيء يُبقي الإنسان حياً بعد وفاته سوى ما يتركه من أثر تتوارثه الأجيال، أثر يفرض نفسه ويعكس مسائل العصر والأدب، والأدب العربي خلّف أثراً عميقاً، ويتمثل موضوع رسالة الغفران التي كانت رداً على رسالة ابن القارح، فجاءت رسالة ذات طابع روائي، حيث جعل المعري من ابن القارح بطلاً لرحلة خيالية أدبية عجيبة يحاور فيها الأدباء والشعراء واللغويين في العالم الآخر، فكان المعري يصوّر فيها يومَ القيامة، في أبرع مشاهد السخرية المرة والفكاهة المضحكة المبكية
وقد قسّم المعري رسالة الغفران إلى قسمين: قسم الرحلة وقسم الرد، فكان الأول قسم تخييلي عجائبي عبر تسلسل للأحداث واكبها مهارة الكاتب تصرفاً وتحكماً في أحداث لم يتسلسل فيها الزمن، حرصًا منه على إضفاء نوع من المتعة لدى القارئ، فقدم قسم الجنة على قسم المحشر، وأنهاها بقطع لتسلسل الأحداث عبر إقامة ومضة ورائية يعود بها للأحداث تقديماً وتأخيراً. وأما القسم الثاني (الرد)، فكان حديثًا مباشراً موجهاً إلى ابن القارح دون ضمنيات، يؤكد فيها أبو العلاء على أسباب إنشاء الرسالة.
مثلت رسالة الغفران مرجعاً ثقافياً أدبياً مهماً فتجاوزت جنسيتها وجغرافيتها إلى أفق أوسع ليضرب صيتها العالم وينهال منها الأدباء في الغرب ما يشاؤون، ويرى الكثيرون أن “الملهاة الإلهيّة” التي كتبها الإيطالي دانتي أليغييري باللغة الإيطاليّة بداية القرن الرابع عشر، محاولة جريئة ورائدة في المجال الفكري والأدبي، وأعظم كتب العصور الوسطى في امتدادها وتأثيرها واتساع مداها، ذلك لأنها جمعت بين الفلسفة المدرسيّة لمفكري عصر العصور الوسطى وأفكار الفرنسيسكان.. إلا أنها مقتبسة من “رسالة الغفران” لأبي العلاء المعري، سلكتا طرقات متباينة، ولكنها جميعا تؤدي إلى التفكير الحر.
No Result
View All Result