تحقيق / رامان آزاد –
التسوية أو المصالحة كان السيناريو الذي اعتمدته موسكو ودمشق لاستعادة السيطرة على المناطق، وكانت النتيجة النهائية تجميع مقاتلي الفصائل المسلّحة بكافة تصنيفاتهم ومسمّياتهم في “إدلب”، ولذلك أصبحت المحافظة التجميع الأكثر لكل تفاصيل الأزمة السوريّة. وتلك هي الطريقة الروسيّة منذ عهد ستالين حتى تولي بوتين رئاسة الحكومة والأزمة مع الشيشان.
شيْشَنة الأزمة السوريّة
ما يحدث في إدلب هو شَيشنة للأزمة السوريّة بتجميع كل تفاصيلها في جغرافيا محدودة مع احتمالات صراعها البينيّ ما يخفف من تكاليف العملية العسكريّة. إذ من المؤكّد أنّ تعدّدَ الفصائلِ المسلحة الكبير، واختلاف أيديولوجياتها ومرجعياتها ومصادر تمويلها، يتجاوز إمكانيّة تعايشها معاً في رقعة جغرافيّة واحدة محدودة كإدلب، وهو ما بدأ يظهر علناً في صفوف المقاتلين في إدلب من خلال الاقتتال والصراع وعمليات التصفية المتواصلة بينها، كما في المواجهة بين “حركة أحرار الشام” وجبهة النصرة، والتي حاولت إعادة صياغة نفسها تحت مُسمّى “جبهة فتح الشام”، وتنظيم جند الأقصى الذي ضمّته جبهة النصرة، بحجّة حمايته من أحرار الشام.
لم توفر اتفاقية خفض التصعيد في إدلب وما تضمنته من بنودٍ تُشددُ على ضرورةِ تجميدِ كافة أشكال الأعمال القتاليّة من قصف وتحركات عسكريّة، في ختام القمة الروسيّة التركيّة “سوتشي” في 17/9/ 2018 عكس ما كان متوقعاً.
إذ عصفت بإدلب (معقل المسلحين الأخير في الشمال السوريّ) موجة من التفجيرات والاغتيالات وانتشار مريب لعصابات السلب والنهب والخطف مقابل فدى ماليّة في الآونة الأخيرة، وذلك على الرغم من إعلان الفصائل المسيطرة على المنطقة وأبرزها هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً)- اتخاذ إجراءات صارمة للحد من الخروق وبسط الأمن.
أكثر الهجمات دمويّة منذ سريان الهدنة وقعت في حي القصور وسط المدينة في 18/2/2019، حيث أودى انفجار سيارتين مفخختين مركونتين قرب تجمع سكنيّ بحياة أكثر من 16 شخصاً، بينهم نساء وأطفال ومسعفون، وإصابة ثمانين آخرين بجروح خطرة.
ويمكن أن تكون التفجيرات ممنهجة تنفذها خلايا تتبع للنظام السوريّ بالتوازي مع تحضيرات قوات النظام للمعركة في إدلب فيما يمكن اعتباره ضربة من الداخل فيما وراء الخطوط الدفاعيّة، لإثارة الخوف. كما جاء التصعيد الميدانيّ في إدلب متزامناً مع تصريح لوزير الخارجيّة الروسي سيرغي لافروف الذي كشف عن إعداد قادة عسكريين روس خطة للقضاء على جبهة النصرة التي سيطرت على كامل محافظة إدلب فيما جاء حديث دمشق عن استعادة السيطرة على كامل التراب السوريّ صدى مباشر للتصريح الروسيّ. وتعتبر حِدة تصريحات موسكو ودمشق دليل إخفاق الدول الضامنة في تحقيق تقدم إضافي في اتفاق خفض التصعيد خلال قمة سوتشي الأخيرة، وهذا ما يفسر لجوء روسيا للتصعيد العنيف في إدلب في محاولة لتأليب السكان المحليين على تركيا ووضعها في مأزق كونها أحد الضامنين.
وتعوّل موسكو على عدم رغبة أو قدرة أنقرة على التصعيد وتسخين الجبهات مثلما حصل في معركة “رد الطغيان” مطلع عام 2018، حين استعادت المعارضة المسلحة -بإيعاز تركيّ- السيطرة على مدن وبلدات شرق إدلب.
وبذلك يرتبط مصير الشمال السوريّ بتفاهم بين الدول الضامنة يعكس شكلاً من أنواع المقايضة بين المنطقة العازلة غرب الفرات والمنطقة الآمنة شرقه، في حال أقدمت موسكو وأنقرة على اتخاذ خطوات جريئة وحاسمة.
موعد مع التصعيد
مع استعادة دمشق سيطرتها على كثير من المناطق عبر آلية القصف المركز والمكثف ثم منح فرصة للهدنة والمصالحة لركوب الحافلات والتوجه إلى إدلب، التي بقيت المحطة الأخيرة للأزمة.
واعتباراً من 8/2/2019 تعرّضت إدلب مؤخراً لقصف مدفعيّ وصاروخيّ عنيف من قبل قوات النظام السوري، واستهدفت مدن خان شيخون ومعرة النعمان جنوباً وبلدات اللطامنة وكفر زيتا شمال حماة. وأعلنت المعارضة السوريّة المسلحة أنّها استهدفت بالصواريخ والمدافع مواقع وثكنات عسكريّة لقوات النظام السوريّ بريف حماة، كنوع من الردّ على خرق اتفاق وقف إطلاق النار الذي ترعاه موسكو وأنقرة.
استمرت العمليات العسكريّة لقوات النظام في ريفي حماة وادلب ردّاً على خروقات التنظيمات الإرهابيّة لاتفاق منطقة خفض التصعيد ومواصلة اعتداءاتها على نقاطه وقامت قوات النظام 17/7/2019 بتنفيذ رمايات مركّزة بسلاحي المدفعيّة والصواريخ في المنطقة الممتدة بين قرية الصياد وبلدة كفرزيتا بريف حماة الشمالي. ما أسفر عن القضاء على عدد من الإرهابيين وإصابة آخرين وتدمير عدد من آلياتهم وإمداداتهم. وتزامناً مع عملياتها بريف حماة الشمالي نُفذت ضربات مدفعيّة مركزة على عدد من إرهابيي “جبهة النصرة” وتحصيناتهم في قرية الفطيرة التابعة لناحية كفر نبل بريف إدلب الجنوبيّ.







