سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

وداعاً أيّتها الشمس

أزهر أحمد –
شدّني الفضولُ لكلماتِ امرأةٍ ثائرةٍ، عفواً لصراخها… نعم كلّ شيءٍ في جسدها يتحرك… تصرخ، تثور، تتأمل، تتألم، تكلم نفسها تارة، وتكلّم ضريحين تزينهما صورٌ وزهورٌ وشموع… تتحرك لا تستطيع الجلوس، وكأنّها تنتظر قادماً من وراء الأفق، وهي تنظر إلى الشمس لحظات غروبها، ترفع يديها باتجاه الشمس الراحلة المتشائمة، بعد أن كانت شاهدة على ما اقترفته أيدي البشر لحظات غروبها توحي بأنّها منزعجة، تعبة، وكأنّها تريد النوم. ردّة فعلها تُوحي بأنّها تفضّل الظلامَ على الظلم، والسكون على الحركة، والسكوت على الكلام، هكذا ودّعتِ الشمسُ الأضرحة، وما زالت أم (ش) تنظر إلى الأضرحة… تنظر الى الصور… وتنظر إلى الشمس، وهي تحرّك يدها مودّعةً الشمسَ… تساقطت دموعها منهمرةً لحظة اختفاء الشمس، وهي تلتفت إلى الأضرحة وتقول: الآن أستطيع البقاءَ فضوء الشمس إن بقي سيمنعني من البقاء، وأسأل الله أن تكونَ هذه الليلة شديدة الظلام، ولا يستطيع الحراسُ من رؤيتي، فقرّرت أن أنامَ بجانبكم أولادي ولعل الليل يكون أوفى من النهار. نعم النهار الذي كرهته كرهتك أيّها النهار، النهار خان الأمانة لم يستطع حمايتكم… يد الغدر تمكّنت منكم في النهار، في النهار رحلتما دون أن تودعاني… تابعت الحمد لله هذه الليلة مظلمة سأبقى في صحبتكما.لن يراني الحراس سأبقى مع اولادي فالجميع غادر المزار… لم يبقَ سوى الحارس.
وإذ بأصوات تنادي… أمي… أمي… أمي… جدتي… جدتي … جدتي… أم (ش)… أم(ش)… أم (ش)… بدأت تخفي جسدها خلف الأضرحة، تهرب من تلك الأصوات تختفي… الجميع يبحثون عنها، وهي كانت قد غيّرت مكانها تفترش الأرض، وتنتقل من مكان إلى آخر، وإذ بالحارس يقول انهضي يا أمي فيجب أن تغادري المكان، وغداً تستطيعين في النهار العودة لزيارة أضرحة أولادك نحن خائفون عليك… أرجوك انهضي… أرجوك فالجميع يبحث عنك. سمع الجميع صراخها وهي تحاول البقاء بين الضريحين، وهي تقول اتركوني فهذا ولدي (د) وهذا ولدي (م) هم من كانوا يحمونكم، هم من كانوا يحمون الغريب والقريب… وأنا أمهم هل سيمتنعون عن حمايتي… أرجوكم أرغب بالبقاء هنا فأريد أن أكون في صحبتهم أقصُّ لهم قصصاً وأحكي لهم حكايات بيتنا… أسرتنا… قريتنا… بلدنا… أرجوكم في العيد الماضي بقيت هنا نمت بين الضريحين، تكلمت معهم … وأنا أدير وجهي كلّ برهةٍ لـ (د) وبرهة لـ (م ) لكلّ واحد منهم حكايته ومحبته، أخشى أن ينزعج فكنت ابتسم، واعتذر من الآخر وأعيد الحكاية… كانا مسرورين فرحين… يقولان أمي نحن في الجنة، نحن إلى جانبنا كلّ من نحبهم ليس بيننا جبان، نعم أمي ليس بيننا كاذب، أمي ليس بيننا خائن، ليس بيننا مغرور، ليس بيننا بخيل، ليس بيننا حسود، ليس بيننا من يدير ظهره لوطنه، ويرضى بالذلِّ لأهله، نحن أمي هنا في الجنة، والجنة هنا في الوطن، قد تكون أجسادنا بعيدة عنكم، ولكن أرواحنا تعيش معكم لحظة بلحظة، تكبر بينكم في مقاومة كلّ مقاتل، في مقاومة كلّ سجين، في مقاومة كلِّ ثائرٍ، في براءةِ الطفولةِ، ولون شقائق النعمان، وفي أنشودة فتاة تغني للحرية، وشيخ يحول المنبر إلى الدفاع عن الحقوق، وسياسيّ يلتزم بالأخلاق، ومسؤول يردّد المسؤوليّة خدمة، وليست سلطة… أمي ستبقى أرواحنا بينكم وتحافظ على اللغة، والعلم والأماني وأمنيتك وجميع أمنيات الأمهات…
مع ارتفاع صوت أم (ش) وصوت الحارس اجتمع الجميع.ردّد الصغار نرجوك جدتي… وردّد الكبار نرجوك أمي، لنذهب أمي إلى البيت، وسنعود غداً في صباح العيد… فغداً العيد. فإذا بها تقول: إنّني ودعت الشمس… الشمس غربت ذهبت وستعود غداً في الصباح لماذا لا يعود أولادي… أيّتها الشمس أعيدي لي أولادي وداعاً أيّتها الشمسُ، سأنتظرك مع قدوم أول سربٍ للطيور.

التعليقات مغلقة.