منذ انطلاق ثورة روج آفا 19 تموز 2012، شهدت مناطق روج آفا وشمال وشرق سوريا، تحولات سياسية وإدارية عميقة، تجاوزت الجوانب العسكرية والأمنية، لتؤسس تجربة سياسية مختلفة في المشهد السوري، وخلال أكثر من عقد عملت القوى السياسية والأحزاب على ترسيخ مؤسسات الإدارة الذاتية، وتعزيز المشاركة السياسية، والحفاظ على حالة الاستقرار رغم تعقيدات الحرب والأزمات الإقليمية.
التجربة السياسة والقوى الحاملة لهذا المشروع، واجهت تحدياً استثنائياً تمثل في إدارة منطقة تعيش ظروف الحرب والانقسام السوري، إلى جانب التدخلات الإقليمية والدولية، فمع غياب مؤسسات الدولة في العديد من المناطق، برزت الحاجة إلى إنشاء مؤسسات مدنية، وهيئات تشريعية وتنفيذية، تدير شؤون السكان، الأمر الذي أدى إلى تأسيس الإدارة الذاتية الديمقراطية، وتطوير هياكلها التنظيمية خلال السنوات اللاحقة وكانت ثمرة لنضالٍ سياسي مضني.
نقطة التحول المفصلية
في وقتٍ كانت كرة النار تتدحرج في معظم المناطق السوريّة، شهدت مناطق روج آفا وشمال وشرق سوريا توسعاً في النشاط الحزبي، حيث شاركت عشرات الأحزاب والتنظيمات السياسية، في الحياة العامة، ضمن أطر مختلفة، أبرزها التحالفات السياسية، والإدارات المحلية، والمجالس المدنية، حيث شكّل هذا التحول نقطةً مفصلية في نقل العمل السياسي من مرحلة المعارضة والمطالب الحقوقية، إلى مرحلة إدارة المؤسسات العامة، وتقديم الخدمات وصياغة القوانين المحلية.
ورغم وجود تباينات بين الأحزاب في المنطقة، فإن العديد منها شارك في الحوارات السياسية المتعلقة بمستقبل المنطقة، وساهم في تطوير مؤسسات الحكم المحلي، وآليات اتخاذ القرار بالسبل الديمقراطية، التي شكلت تجربة فريدة في الحياة السورية قائمة على مبدأ “الاختلاف لا يعني الخلاف”، لذا بات السباق محموماً لتطوير التجربة التي جاءت كثمرة نضال وتضحيات كبيرة.
كما برزت مبادرات للحوار الكردي – الكردي، بهدف توحيد الرؤى السياسية، وتعزيز الموقف التفاوضي في أي عملية سياسية سورية شاملة، رغم أن هذه الجهود واجهت تحديات كبيرة، أبرزها حالة الاستقطاب العميق التي لعبتها قوى إقليمية ودولية، حالت دون الوصول إلى اتفاق نهائي. لكن؛ ومع ذلك بقيت القضية الكردية حاضرة وبقوة في الاجتماعات كافة على المستوى الداخلي والدولي.
فرغم كل التحديات، كانت السياسة التي أُسست على قواعد ثابتة تحقق نجاحات تمثلت في مشروع لم تشهد سوريا له مثيل، فالشعب أدار نفسه بنفسه ضمن الإدارة الذاتية، التي تشكلت ونشأت اعتماداً على مبدأ الشراكة بين الشعوب المتعددة بمختلف أديانهم وقومياتهم، فشارك الكرد، والعرب، والسريان والآشوريين، والأرمن، والتركمان، في المجالس والمؤسسات المحلية، وساهموا جميعاً في صناعة القرار والدفاع عن مستحقات الشعب السوري في هذه المنطقة.
كما سعت الإدارة الذاتية في إلى خلق مقاربة مثالية، تهدف إلى ترسيخ مفهوم المواطنة، والإدارة المشتركة، بما يضمن مشاركة مختلف الشعوب والمكونات في صنع القرار، وإدارة شؤون مناطقها، كما كان للمرأة النصيب الوافر في حركة النضال السياسي، والإداري في المنطقة، وهو ما ارتكز على عوامل تغيير المفاهيم السائدة وصلت لحد انتزاع المرأة حقوقها المشروعة، فكان لنظام الرئاسة المشتركة أهمية، باعتباره مرتكز في أي عمل سياسي وإداري في المنطقة.
تنظيم وإدارة المجتمع
حرصت القوى السياسية في روج آفا وشمال وشرق سوريا، على المطالبة بالمشاركة في المفاوضات المتعلقة بمستقبل سوريا، معتبرةً إن أي تسوية لا تشمل جميع القوى الفاعلة، لن تحقق الاستقرار الدائم. لكن؛ هذه المطالب واجهت تحديات مرتبطة بالتوازنات الإقليمية، والدولية، والخلافات بين الأطراف السورية، ما حدَّ من مستوى تمثيلها في بعض المسارات السياسية.
فكان للإطار الناظم للعمل السياسي والحزبي والتكتل الأبرز المتمثل في مجلس سوريا الديمقراطية، “مسد” دوراً رئيسياً في مجابهة النظام البعثي القمعي، طيلة السنوات المنصرمة، وناضلت كل القوى بمختلف انتماءاتها لتحقق أهدافها في حماية المنطقة ومكتسباتها، إلى جانب بناء علاقات متوازنة مع مختلف الفاعلين الدوليين في المعادلة السورية.
إلى جانب ذلك، كان للأحزاب كلٌّ على حدة مسار نضال طويل، لم يقتصر على العمل التنظيمي، بل امتد إلى الدفاع السياسي عن التجربة في المحافل المحلية، والدولية، والمطالبة بالاعتراف بخصوصية الإدارة الذاتية، ضمن أي تسوية سياسية مستقبلية للأزمة السورية.
كما عملت الأحزاب، على تنظيم المؤتمرات، والندوات، وإعداد المبادرات السياسية، والدعوة إلى الحوار بين القوى السورية، مع التأكيد على أن الحل السياسي هو السبيل الأمثل لإنهاء الصراع. لذا؛ أطلق المجلس وأحزابه مساراً وطنياً حمل شعار الحوار السوري ـ السوري، ليكون “مسد” نواة المسار الذي ضم كل القوى والشخصيات التي تؤمن بالحرية والديمقراطية في سوريا. لكن، لم يسلم هذا المشروع من التحديات، فواجه ضغوطاً متعددةً، شملت التوترات العسكرية، والتحديات الاقتصادية، والخلافات السياسية، التي تغذيها أطراف إقليمية كالنظام التركي، أو بعض القوى الأخرى، إضافةً إلى تأثير العلاقات الإقليمية والدولية، على مستقبل المنطقة.
الحفاظ على المكاسب
ورغم ذلك استمرت الأحزاب والمؤسسات السياسية في عقد اجتماعاتها ومؤتمراتها وتحديث هياكلها التنظيمية مع التركيز على الحفاظ على الاستقرار الداخلي، واستمرار عمل المؤسسات المدنية لحين سقوط النظام، حيث شكل مرحلةً مفصلية من عمر سوريا، فبات الهدف الأسمى هو الحفاظ على المكتسبات السياسية، التي ترى فيه القوى السياسية الغاية الأولى التي تتطلب استمرار الحوار السوري، وتعزيز التوافق بين مختلف القوى الوطنية، وترسيخ مبادئ اللامركزية والمشاركة السياسية وسيادة القانون.
فمع سقوط النظام السابق، ظن السوريون إن المعاناة انتهت، وإن البلاد تقف على مشارف حقبة زمنية عنوانها الحرية والكرامة والمشاركة الفاعلة لكل السوريين. لكن؛ عادت لتصطدم بسياسة التفرد بالحكم، وبقيت سوريا قابعة تحت وطأة محاولات الإقصاء والتهميش، وهو ما ترفضه القوى السياسية، التي إلى الآن تمنع من المشاركة في صناعة القرار، تحت ذريعة عدم وجود قانون ناظم لعمل الأحزاب في سوريا.
الحياة الحزبية لطالما شكلت إحدى تطلعات الشعب السوري؛ لأنها الركيزة الأساسية لأي نظام سياسي يسعى إلى بناء مؤسسات ديمقراطية، قائمة على التعددية وتداول الأفكار، وفي سوريا أعادت المرحلة الانتقالية فتح النقاش حول مستقبل الأحزاب السياسية، وحدود دورها في رسم ملامح سوريا الجديدة، وسط تباين واضح بين النهج المتبع في مناطق الحكومة المؤقتة، والتجربة التي نشأت خلال السنوات الماضية في مناطق الإدارة الذاتية، وكانت حصيلة نضال طويل.
المرحلة الانتقالية، اتسمت بتركيز السلطة التنفيذية، على إدارة الملفات الأمنية والإدارية، في وقتٍ بقيت فيه البيئة القانونية، والسياسية المنظمة لعمل الأحزاب، موضع جدل، حيث تعتبر قوى سياسية إن بطء إصدار تشريعات واضحة تنظم تأسيس الأحزاب، لممارسة نشاطها، أو فرض قيود على بعض الأنشطة السياسية، يحد من قدرة القوى المدنية على المشاركة في الحياة العامة.
اختلاف آليات الإدارة
في المقابل انتقدت القوى السياسية العاملة لأكثر من عقد من الزمن، هذا التباطؤ في إفساح المجال أمام عمل الأحزاب، وهو ما عدته مسار نضال لها لترسيخ أسس الحرية والديمقراطية، سيما وأنها تمثل كتل وازنة مجتمعياً تمثل شعوباً سورية بمختلف القوميات والأديان.
فالأحزاب المتعددة ساهمت لسنواتٍ طويلة في بناء الحوارات السياسية، وإدارة الشأن العام، وكان لوجود أحزاب ومؤسسات سياسية المساهمة الأكبر في توسيع المشاركة المحلية، على العكس مما يجري اليوم في المرحلة الانتقالية، وهو الحد من حرية نشاط جميع القوى السياسية، وتقليص العلاقة بين الأحزاب والمؤسسات الإدارية.
فتكشف المقارنة بين الواقعين المعاشين في مناطق الإدارة الذاتية، والحكومة المؤقتة، عن اختلاف في آليات إدارة الحياة السياسية، ففي مناطق الحكومة يتركز النقاش على توقيت وشروط تنظيم العمل الحزبي ضمن إطار سوريا الجديدة، بينما تشهد روج آفا، وجود هياكل سياسية وإدارية قائمة منذ سنوات.
وهذا ما يشكل تحدي كبير أمام القوى السياسية، التي وجدت نفسها خارج أهم استحقاق دستوري والمشاركة في مجلس الشعب، والآلية التي اتبعت لا تعبر عن أدنى مستويات الديمقراطية، وتمت التعيينات للحد من تأثير الأحزاب، وخلق بيئة سياسية غير مستقرة، لا تسمح بالتنافس السلمي، وضمان مشاركة مختلف القوى والشعوب في صياغة مستقبل البلاد.
سوريا تعددية ديمقراطية
الأحزاب التي تعمل في مناطق الإدارة الذاتية، ترى أن نجاح أي عملية انتقال سياسي يرتبط بوجود فضاء سياسي، يتيح للأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، العمل بحرية ضمن إطار قانوني واضح، بما يعزز الثقة بين الدولة والمجتمع ويمنح المواطنين فرصة التعبير عن خياراتهم عبر الوسائل السلمية.
كما يؤكدون، إن احتواء التنوع السياسي والقومي والديني في سوريا، يتطلب بناء مؤسسات قادرة على إدارة الاختلاف بالحوار، وليس بالإقصاء، وإن بناء نظام سياسي مستقر يمر عبر مشاركة جميع القوى الوطنية في الحياة العامة، واحترام برامجها السياسية وتاريخها النضالي. لكن؛ ومع هذه الوقائع، تبقى المقارنة بين مناطق الحكومة المؤقتة، والإدارة الذاتية، جزءاً من نقاش أوسع حول شكل سوريا الجديدة، وبينما تختلف التجربتان في آليات إدارة العمل السياسي، فإن التحدي الأكبر أمام أي نموذج يتمثل في ترسيخ سيادة القانون، وضمان التعددية السياسية، واحترام الحقوق والحريات، بما يُهيئ لعملية سياسية شاملة تستوعب مختلف السوريين، وتؤسس لاستقرار طويل الأمد.
فعلى امتداد أكثر من عقد، انتقلت تجربة الإدارة الذاتية، من مرحلة إدارة الأزمة، إلى بناء مؤسسات سياسية ومدنية، تسعى إلى تنظيم الحياة العامة في ظروف معقدة، وهي مستمرة اليوم بنضالها السياسي للوصول إلى سوريا حرة تعددية لامركزية ديمقراطية، فهذه المبادئ هي أبرز مكتسبات ثورة التاسع عشر من تموز، والقوى السياسية والمجتمعية، ستزيد من نضالها لتأسيس سوريا مستقرة آمنة، تستوعب تنوعها السياسي والقومي والإثني.