لم أكن أتصور أن لحظة واحدة قادرة على أن تعيد رسم خريطة العمر. كان ذلك في مساء شتوي بارد، حين كانت السماء تفرغ آخر ما في غيومها فوق المدينة، والطرقات تلمع تحت أضواء المصابيح كأنها ألواح من زجاج. لم يكن في ذهني سوى أن أصل إلى منزلي، لكن القدر كان قد اختار أن يكتب فصلا جديدا من حياتي.
استيقظت في غرفة بيضاء تفوح منها رائحة المعقمات. كانت الأجهزة تهمس من حولي، والممرضات يعبرن الممرات بخطوات سريعة، بينما كانت قدمي اليسرى ساكنة كأنها لم تعد تنتمي إلى جسدي. اقترب الطبيب، وضع يده على كتفي، وقال بصوت حاول أن يكسوه بالطمأنينة:
(ستعود إلى حياتك… لكن عليك أن تتحلى بالصبر.) كانت كلمة (لكن) أثقل من الإصابة نفسها.
مرت أسابيع طويلة بين الجدران البيضاء، حتى جاء اليوم الذي ناولني فيه الممرض عكازا. أمسكته بيد مترددة، وشعرت كأنني أوقع اعترافا بالعجز. خرجت من المستشفى وأنا أجر قدمي، بينما كان ذلك الغريب المعدني يشاركني أولى خطواتي في عالم لم يعد كما كان.
في الأيام الأولى كنت أكرهه. كنت أراه شاهدا على ضعفي، ودليلا يسبقني إلى عيون الناس. كنت أسمع ارتطامه بالأرض أكثر مما أسمع صوت خطواتي، فأشعر أن المدينة كلها تلتفت إلي. كنت أحدث نفسي كل ليلة:
(متى أتخلص منك؟) لكنه لم يجب.
ظل صامتا، كما يفعل الأصدقاء الحقيقيون حين يعرفون أن الكلمات لا تشفي الجراح.
شيئا فشيئا، بدأت أكتشف أنني لم أكن أحمله، بل كان هو يحمل جزءا من انكساري.
صار أول من ألتقيه عند الفجر، وآخر من أودعه قبل النوم. كنت أضعه إلى جوار سريري، فإذا استيقظت امتدت يدي إليه تلقائيا، حتى قبل أن ألمس هاتفي أو أفتح نافذتي. خرجت معه إلى الشوارع التي كنت أعرفها، لكنها بدت مختلفة. الأشجار هي الأشجار، والمحال هي المحال، غير أنني أصبحت أرى التفاصيل التي كنت أعبرها مسرعا. صرت أسمع زقزقة العصافير، وأنتبه إلى وجوه المارة، وأقرأ الحزن المختبئ خلف ابتسامات الغرباء. ربما لأن الألم يجعل الإنسان أكثر قدرة على رؤية الآخرين. في المخبز، كان الخباز يبتسم كلما رآني ويقول:
(أهلا بك… وأهلا بصديقك) فأنظر إلى العكاز وأبتسم دون أن أشعر.
وفي المقهى القريب من منزلي، اعتاد النادل أن يترك بجوار مقعدي مساحة صغيرة أضع فيها العكاز، حتى بدا الأمر وكأنه زبون دائم له مكانه المحجوز.
ذات صباح، بينما كنت أعبر الحديقة العامة، ركض نحوي طفل يحمل طائرة ورقية، ثم توقف أمامي وسأل ببراءة:
ـ عمو… ألا يتعب هذا العكاز من المشي معك؟
ضحكت لأول مرة من قلبي منذ أشهر، ثم قلت له:
ـ ربما… لكنه لم يشتك يوما.
ظل الطفل ينظر إلى العكاز، ثم قال:
ـ إذن هو يحبك.
ركض بعيدا، لكنه ترك في داخلي سؤالا لم يفارقني.
هل يمكن لجماد أن يصبح صديقا؟
في تلك الليلة، جلست قرب النافذة. كان المطر يعزف على الزجاج لحنا حزينا، بينما وضعت العكاز إلى جواري.
نظرت إليه طويلا. تذكرت كم لعنته في البداية، وكم تمنيت أن أغادره إلى الأبد.
ثم همست: (اعذرني… لم أكن أكرهك، بل كنت أكره ضعفي).
كان الصمت يملأ الغرفة، لكنه بدا لي جوابا كافيا.
مرت الشهور، وبدأت قدمي تستعيد شيئا من قوتها. أخبرني الطبيب أنني أستطيع المشي لمسافات قصيرة من دون عكاز، وهنأني كما لو أنني خرجت منتصرا من معركة طويلة. عدت إلى المنزل، وأسندت العكاز في زاوية الغرفة. في اليوم الأول شعرت بالراحة. وفي اليوم الثاني شعرت بالفراغ. أما في اليوم الثالث، فقد وجدت نفسي أقف أمامه، أحدق إليه كما أحدق في صديق قديم يستعد للسفر. حملته من جديد؛ ليس لأن قدمي كانت عاجزة عن المشي، بل لأن روحي لم تكن مستعدة لفراق من ساندها في أكثر أيامها قسوة.
أدركت يومها أن الأشياء لا تكتسب قيمتها من مادتها، بل من الذكريات التي تحملها. لم يعد ذلك العكاز قطعة من الألمنيوم والخشب والمطاط، بل أصبح شاهدا على دموعي، وعلى محاولاتي الأولى للنهوض، وعلى انتصارات صغيرة لم يصفق لها أحد. كبرت بعد تلك التجربة سنوات في بضعة أشهر. تعلمت أن الإنسان لا يقاس بسرعة خطواته، بل بقدرته على أن ينهض كلما أسقطته الحياة. وتعلمت أن الكبرياء الحقيقي ليس في أن ترفض الاتكاء على أحد، بل في أن تعترف بفضل من أعانك حتى تعود واقفا.
واليوم، كلما رأيت عكازا في يد رجل غريب، لا أرى فيه علامة ضعف كما كنت أظن يوما، بل أرى حكاية كاملة لا يعرفها إلا صاحبها. أما عكازي، فما زال يقف في زاوية غرفتي، لا أستخدمه إلا نادرا، لكنني أعجز عن التفريط به. كلما مررت بجانبه، أمسح بيدي على مقبضه، وأبتسم. فهو ليس تذكار إصابة…بل آخر صديق علمني أن بعض الرفاق يدخلون حياتنا لأن أقدامنا تعجز عن السير، ثم يبقون في ذاكرتنا لأن أرواحنا لا تعرف كيف تمضي من دونهم.