أحمد فارس الشدياق (1804 ـ 1887)، هو أحمد فارس بن يوسف بن يعقوب بن منصور بن جعفر شقيق بطرس الملقب بالشدياق بن المقدم رعد بن المقدم خاطر الحصروني الماروني من أوائل الأفذاذ الذين اضطلعوا برسالة التثقيف والتوجيه والتنوير والإصلاح في القرن التاسع عشر غير أن معظم الدراسات التي تناولته عنيت بالجانب اللغوي والأدبي وأهملت الجانب الإصلاحي، ولم ينَل ما ناله معاصروه من الاهتمام من أمثال ناصيف اليازجي (1800ـ 1871) ورفاعة الطهطاوي (1801ـ 1873) وعبد القادر الجزائري (1807ـ 1883). بالرغم من كونه واحداً من أبرز المساهمين في مسار الأدب العربي ومن أسبقهم.
ماروني بالولادة، وتحول أكثر من مرة في أكثر من طائفة في المسيحية إلى أن استقر على الإسلام. عاش في إنكلترا ومالطا ورحل أيضاً إلى فرنسا. يعد أحمد فارس الشدياق أحد أهم الإصلاحيين العرب في عهد محمد علي وله منهجه الإصلاحي الخفي الذي يبدو فيه أنه فضل التورية والترميز على التصريح والإشهار وذلك لما كان يحويه منهجه من انتقادات لاذعة للقيادات الرجعية، ولخوفه من أن يدان من قبلها أو تحرق أعماله، ويظهر هذا في كتابه (الساق على الساق في ما هو الفارياق) الذي يعد بمثابة الرواية العربية الأولى على الإطلاق.
سافر إلى أوروبا خلال القرن التاسع عشر، وكان الكاتب والصحافي واللغوي والمترجم الذي أصدر بين عامي (1881 ـ 1884م) أول صحيفة عربية مستقلة بعنوان “الجوائب” في إسطنبول.
اعتناق المذهب البروتستانتي
كان للشدياق أخ يكبره بسبع سنين اسمه أسعد، وكان أسعد يحب العلم، وكان يُتقن خمس لغات ولأنه كان من عائلة مارونية عريقة، فكان أيضاً يعتنق المذهب الماروني، وكان ذلك ما تسبب في سجنه وعزله عن المبشرين وعن العائلة كذلك، وتأثر به الشدياق كثيراً وبخاصةٍ بعد سجن أسعد، وإرساله رسالةً سرية إلى المبشر إسحاق بيرد في 4/4/1826م جاء فيها «إذا أمكنك أن تجد مركباً متوجهاً إلى مالطا، في برهة أربعة أو خمسة أيام، فأخبرني، وإلا فصلّي لأجل أخيك».
وفي الثاني من شهر كانون الثاني 1826م غادر فارس الشدياق مدينة بيروت على ظهر سفينة أقلته إلى الإسكندرية، وكان يحمل كتاباً من المبشر إسحاق بيرد إلى مبشرٍ آخر موجود في مصر، ويطلب فيه مساعدة فارس على السفر إلى مالطة. ولما وصلت السفينة إلى الإسكندرية استقبله القسيس المقيم فيها وأنزله في مسكن يقع بجواره، ولبث عنده ينتظر وصول السفينة التي ستقلهُ إلى مالطا، ولما تعرف القسيس على فارس الشدياق وتحدث معه خلال ذلك، أعجب بذكائه وسعة اطلاعه، ورغب في استبقائه في مصر، إلا أن إسحاق بيرد رفض ذلك، رغبةً منه في إبعاد الشدياق عن جو مصر، الذي يمكن أن يغريه بترك الزهد والتبشيرـ وبهدف تعليم فارس الشدياق اللغة العربية للأجانب وتصحيح الترجمات الدينية للمبشرين. ولما وصل فارس الشدياق إلى مالطا طلب منه القسيس أن يغير لباسه الشرقي، من عمامة وجلباب، وأن يرتدي سروالاً ضيقاً وقبعة، لكي يكون شبيهاً بالمبشرين الأميركان، كما طلب منه أن يتعلم اللغة الإنكليزية للتعاون مع المبشرين. ولكن؛ الجو الرطب الذي يسود جزيرة مالطا أصاب الشدياق بداء المفاصل وجعله طريح الفراش، فأشار الطبيب على القسيس أن يعيده إلى مصر، وبلغت مدة إقامته في مالطا سنة أو أكثر قليلاً، ويقال إنه عمل في الطبعة الأميركية الموجودة في تلك الجزيرة، ولكن المطبوعات التي صدرت منها كانت ركيكة العبارة، وهي غالباً بقلم المرسلين الأميركيين الذين كانوا فيها.
عودته لمصر وعمله وزواجه فيها
عاد فارس الشدياق إلى مصر 1828، كما عاد إلى زيه الشرقي، ومكث مدة يعمل مع المبشرين الأميركان، وانتقل للعمل في جريدة الوقائع المصرية التي أنشأها الوالي محمد علي باشا.. وصدر العدد الأول منها بتـاريخ 3/2/1828 أربع صفحات وباللغة التركية، كما كانت تصدر بصورةٍ غير منتظمة. وهناك تعرّف على فتاة كاثوليكية، وبدأت بينهما علاقة حب وطلب زواج، عارضه أهل الفتاة لأنه كان بروتستانتياً، وكان الاتفاق الأخير والموافقة على الزواج بشرط أن يعتنق الشدياق الكاثوليكية ولو ليومٍ واحد.
صاحب الرواية العربية الأولى
في بحثٍ فريد للكاتبة العربية «رضوى عاشور» قدمت أطروحتها في القضية الجدلية المتعلقة بالسؤال الشهير، ما هي الرواية العربية الأولى في الأدب العربي؟ وفي أطروحتها تلك، ساقت «رضوى عاشور» الكثير من الأدلة التي ترجح كفة رواية الشدياق «الساق على الساق» بأنها الرواية العربية الأولى على الإطلاق.
أعمال الشدياق الهامة الأخرى
ساهم «الشدياق» مساهمةً فعّالة في تطوير لغة صحفية حديثة منقّاة من البلاغة الزائدة، وصقل العديد من المصطلحات الحديثة مثل عبارة الاشتراكية التي أضافها إلى اللغة العربية. من مؤلفاته:
الواسطة في أحوال مالطة، الجاسوس على القاموس، الساق على الساق في ما هو الفارياق، دعا فيه إلى تحرير المرأة قبل قاسم أمين بسنوات طوال، وربما يعدُّ هذا الكتاب هو الرواية العربية الأولى على الإطلاق بخلاف ما هو سائد عن أن الرواية العربية الأولى هي رواية «زينب» لمحمد حسين هيكل. كنز الرغائب في منتخبات الجوائب، اللفيف في كل معنى طريف، سر الليال في القلب والإبدال، غنية الطالب، الباكورة الشهية في نحو اللغة الإنكليزية، سند الراوي في النحو الفرنساوي، كما ترجم التوراة إلى العربية، شرح طبائع الحيوان، وكتب ومؤلفات أخرى بالعربية والإنكليزية.
في صيف العام 1887 توفي الشدياق في إسطنبول، ونقل جثمانه على باخرة نمساوية حملته إلى لبنان، ودُفن في بلدة الحدث. يذكر إن الأديب المرحوم كان يستخدم اسماً رمزياً يجمع بين اسمه وكنيته عرفوه به الكثير من محبيه وهو لقب “الفارياق”.
وكالات