لم يكن فقدان السمع والكلام نهاية الطريق للشابة “سما خلف”، بل كان بداية رحلة استثنائية كتبتها بالإرادة والعمل، ففي عالم يعتمد على التواصل بالكلمات، اختارت أن تجعل من الصمت لغة للإنجاز، متجاوزةً نظرات الشفقة والعقبات اليومية، لتثبت أن الإعاقة لا تقف حائلًا أمام الطموح، وأن النجاح يولد حين يلتقي الإصرار بالإيمان بالذات.
رغم الصعوبات التي يواجهها ذوو الاحتياجات الخاصة في حياتهم اليومية، فإن الإرادة والدعم قادران على تحويل تلك الصعوبات إلى قصص نجاح. ففي الحياة، قد تتحول التحديات بداية طريق نحو النجاح عندما تقترن بالإرادة والدعم، وهذا ما جسدته قصة الشابة “سما خلف”، التي وُلدت صمّاء بكماء، لكنها رفضت أن تكون إعاقتها حاجزاً أمام طموحاتها، واستطاعت أن تحقق حلمها بافتتاح مركز خاص لتصفيف الشعر والتجميل.
نقطة التحول في حياة سما
وخلال لقاء مع “زلفة عثمان” والدة “سما” تحدثت لوكالة أنباء المرأة، إن الأسرة لم تكن تعلم في البداية أن ابنتها تعاني إعاقة سمعية: “عندما وُلدت سما كانت تعاني من مشكلات صحية عديدة، ولم نكتشف فقدانها للسمع والكلام إلا بعد أن تجاوزت عامها الأول”.
وتابعت: “كان التواصل معها صعباً في البداية، إلى أن تعرفنا إلى أخصائي في علاج النطق يعمل مع الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، وهناك بدأت تتعلم لغة الإشارة، وأصبحت اليوم قادرة على التعبير عن احتياجاتها والتواصل معنا من خلال الإشارات وحركات الشفاه”.
ورغم التقدم الذي أحرزته، ما تزال “سما”، لا تستطيع الخروج بمفردها، إذ تواجه صعوبة في التواصل مع الآخرين عند سؤالها أو الحديث معها، إلا أن ذلك لم يمنع عائلتها من إحاطتها بالحب والدعم، فكانت شريكاً في كل تفاصيل حياتها، وتلبي احتياجاتها وتحرص على إشراكها في اتخاذ القرارات. وأوضحت والدة سما “زلفة عثمان”، أن ابنتها تلقت دعماً من عدد من المؤسسات، من بينها “منظمة نودم”، التي قدمت لها دعماً نفسياً، وأشركتها في مهرجانات وفعاليات ومشاريع مختلفة بهدف تعزيز ثقتها بنفسها وتشجيعها على الاندماج في المجتمع، كما ساعدتها “هيئة العمل والشؤون الاجتماعية”، بالتنسيق مع “دار المرأة” في روج آفا، في الحصول على سماعة أذن كانت بحاجة إليها.
وأضافت زلفة، إن نقطة التحول في حياة ابنتها جاءت عندما التحقت بدورة تدريبية في مجال تصفيف الشعر، وبسبب إعاقتها، رافقتها والدتها طوال فترة التدريب: “أثبتت سما أنها من أكثر المتدربات اجتهاداً وتميزاً، وبعد انتهاء الدورة حصلت على مجموعة من أدوات تصفيف الشعر تقديراً لتفوقها”.
ولم تتوقف “سما”، عند حدود التدريب، بل حولت ما تعلمته إلى مشروع حقيقي، فافتتحت مركزها الخاص لتصفيف الشعر، واليوم تستقبل زبائنها بثقة، وأصبحت أكثر قوة واستقلالية، بحسب والدتها، التي تؤكد أن العمل منح ابنتها شعوراً أكبر بالثقة بالنفس والإيمان بقدراتها.
ولا تزال “سما” تحمل الكثير من الأحلام؛ فهي تطمح إلى امتلاك منزل وسيارة خاصة بها، وتؤمن بأن المستقبل يحمل لها المزيد من الفرص. واختتمت “زلفة عثمان” والدة “سما خلف”، أنه على الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة ألا يبقوا في المنازل، بل عليهم أن يندمجوا في المجتمع، ويشاركوا في الدورات التدريبية: “لا تسمحوا للإعاقة بأن تقف عائقاً أمام أحلامكم”.
هذا، وتؤكد قصة هذه الشابة “سما خلف”، أن الإرادة قادرة على كسر القيود التي تفرضها الإعاقة، وأن الصمت قد يكون أبلغ من الكلمات عندما يترجم إلى عمل وإنجاز، إنها رسالة أمل لكل من يواجه تحديات الحياة؛ لأن النجاح لا يقاس بما يفقده الإنسان، بل بما يمتلكه من عزيمة وإصرار على المضي نحو تحقيق أحلامه.