الدرباسية/ نيرودا كرد – من مدينة الدرباسية إلى آفاقٍ بعيدة، شقَّ الرحّالة الكردي “حسان خضر” طريقه بين القارات، حاملاً شغف اكتشاف العالم والتعرّف على ثقافات الشعوب المختلفة، فقد انطلق في رحلته مدفوعاً بفضولٍ كبيرٍ لمعرفة ما وراء الحدود، متجاوزاً الصورة التقليدية للسفر، ليكون شاهداً على اختلاف المجتمعات وتشابه همومها وأحلامها.
لم تكن الدرباسية، المدينة الواقعة في قلب روج آفا، بالنسبة له مجرد نقطة انطلاق، بل كانت بوصلته الأولى التي حمل منها ذاكرته وهويته وحكايات المكان إلى مختلف بقاع العالم، من شوارعها وأحيائها بدأ شغف الترحال، ليخوض تجربة استثنائية جعلته يعبر الحدود ويلتقي بثقافات وشعوب متعددة، باحثاً عن الإنسان قبل المكان.
رحلة نحو اكتشاف العالم
“حسان خضر” رحّالة كردي من أبناء الدرباسية، اختار أن يجعل من السفر طريقاً لاكتشاف العالم وفهم اختلافاته، فتنقل بين بلدان عدة، حاملاً معه لغته وثقافته وقصة مدينة صغيرة استطاعت أن ترافقه في رحلاته الطويلة، لم تكن رحلاته مجرد زيارات سياحية، بل محطات للتعرف على عادات الشعوب، والاستماع إلى قصص الناس، واكتشاف القواسم المشتركة التي تجمع البشر رغم اختلاف الجغرافيا واللغات.
وخلال سنوات الترحال، واجه الكثير من التحديات، من الغربة وصعوبة التأقلم إلى مواقف غير متوقعة في بلدان بعيدة، لكنه وجد في كل تجربة فرصة جديدة للتعلم والنظر إلى العالم من زاوية مختلفة، كما حمل معه سؤال الهوية والانتماء، وكيف يمكن للإنسان أن يمثل ثقافته ومجتمعه في أماكن لا تعرف عنه الكثير.
وخلال لقاءٍ مع صحيفتنا “روناهي”، تحدث “خضر” عن بداياته، وعن المدن التي تركت أثراً في ذاكرته، وعن صورة الكرد لدى الشعوب التي التقاها، والمعاني التي اكتشفها خلال رحلته الطويلة بين القارات، مؤكداً، أن السفر ليس مجرد انتقال بين الأمكنة، بل رحلة لاكتشاف الإنسان والعالم من حوله.
حكاية رحّالة كردي
الشاب “حسان خضر”، من مواليد مدينة الدرباسية عام 1998، أنهى دراسته الابتدائية والإعدادية في مدارس مدينته، لينتقل بعدها إلى باكور كردستان بهدف إكمال دراسته، وبعد أن امتنعت السلطات التركية عن منحه أي شهادة دراسية، قرر التوجه إلى القارة الأوروبية، وتحديداً دولة “النرويج” بحثاً عن مستقبل أفضل، وذلك في عام 2014، ليبدأ لديه شغف السفر والترحال واكتشاف خبايا العالم وثقافات شعوبه.
وفي حديثه مع صحيفتنا، قال خضر: “بدأت فكرة السفر والترحال لدي، عندما اقترح علي أحد زملائي شراء قارب شراعي مشترك، حيث قمنا بشراء القارب وأبحرنا به كامل المساحات المائية الموجودة في دولة النرويج، وقد استغرقت معنا هذه الرحلة 15يوماً دون انقطاع، ونظراً لعدم معرفتنا المسبقة بقيادة القوارب الشراعية، وعدم تعلمنا السباحة حينها، بدت هذه الرحلة كأول مغامرة لي على طريق السفر”.
وتابع: “وعلى الرغم من أن تلك المغامرة كانت محفوفة بالمخاطر، إلا أنها تركت في نفسي شعوراً بالسعادة ودافعاً لخوض المزيد منها، ومنذ تلك الرحلة، بدأ شغفي بالسفر حول العالم واستكشاف شعوباً لم نسمع بها من قبل، والتعرف على ثقافاتها وتراثها، بالإضافة لتعريفهم بوجود الشعب الكردي الذي يُعد من أكبر الشعوب المحرومة من حقوقها، ومن تقاسم الدول لوطنه، ناهيك عن بحثي عما هو مشترك بيننا كشعب كردي وبين بعض الشعوب الأخرى”.
37 دولة لكل منها قصصها
وتابع خضر: “خلال رحلات السفر والاستكشاف، زرت حوالي 37 دولة، وعدداً لا يحصى من المدن والبلدات والقرى، وذلك على امتداد قارات العالم جمعاء، ففي كل دولة كنت أرى قصصاً مختلفة، وفي كل مدينة كنت أرى عادات وثقافات تختلف عن الأخرى، إلا أنها تركت في نفسي طابعاً عن ذلك الشعب وثقافته وتراثه”.
وزاد: “وفي الوقت الذي كنت أستكشف فيه ثقافات تلك الشعوب، حرصت دائماً على نقل ثقافتنا وتراثنا الكردي لهم، وقد صادفت العديد من الشعوب التي لم تسمع حتى بالكرد، فكنت أسرد تاريخ مفصل عن القضية الكردية والشعب الكردي، حيث كانوا يبدون تضمانهم وتعاطفهم معنا، لا سيما حين تتعرض مناطقنا للقصف التركي، كان ذلك يزيد في نفوسهم التعاطف والتضامن مع الشعب الكردي، وهذا ما جعلني أعقد الكثير من الصداقات مع الكثير من أبناء تلك الشعوب، لا سيما تلك الشعوب التي تعرضت للاضطهاد كالشعب الكردي، وخاصةً، شعب “الكوسوفو” الذي تعرض للظلم والاضطهاد على يد الألبان، فكننا نردد عبارات التضامن المتبادلة كلما التقينا”.
الاحتفاظ بالتراث الأصلي
وأشار خضر، إلى أنه على الرغم من رحلاته المستمرة، وتعرفه على العديد من الثقافات والشعوب، إلا أنه بقي محافظاً على تمسكه بثقافته وتراثه الكردي، فيما حمل معه جزء من ثقافات الشعوب الأخرى، لا سيما تلك التي عاش معها لفترات طولية، ولكن بالرغم من ذلك، لم يتجرد عن جذوره الثقافية التي تميزه كأحد أبناء الشعب الكردي.
ولفت، أنه “في مثل هذه الرحلات، يشكل التواصل مع الشعوب الأخرى صعوبات جمة من جهة اللغة، ولكننا كأبناء الشعب الكردي، ونتيجة ما مُورِس علينا من سياسات، فإننا نكبر ونحن نجيد لغتين معاً “الكردية والتي هي لغتنا الأم، والعربية التي تعلمناها في المدارس”، لذلك فإننا نختلف عن باقي الشعوب في سعة قابليتنا لتعلم لغات متعددة. لذلك؛ فقد أجدتُ ثلاث لغات أخرى “التركية والإنكليزية، والنرويجية”، كما إن مستواي جيد نوعاً ما في اللغتين “الفارسية والألمانية”، وهذا ما ساعدني أكثر في مسألة التواصل مع الشعوب الأخرى”.
واختتم الرحالة الكردي “حسان خضر” حديثه برسالةٍ وجهها لأبناء الشعب الكردي الموجودين في المهجر: “حافظوا على أصالة تراثكم وثقافاتكم، فلا تدعوا مجالاً للانصهار في الثقافات الأخرى، حيث أن تمسك الإنسان بتراثه وثقافته يفرض على محيطه احترامه كشخصٍ واحترام تراثه وثقافته”.