قامشلو/ ملاك علي ـ إحصائيات صادمة وتراجع ملحوظ في حضور المرأة الأفغانية في مجالات الحياة، من الربع إلى أقل من عشر بالمائة؛ كاشفةً انكماش حاد في وجود المرأة داخل المجتمع الأفغاني، مقابل صمت دولي وإقليمي لما تتعرض له.
أصبح وضع المرأة في أفغانستان واحداً من أكثر الملفات الإنسانية إثارة للقلق عالمياً، خصوصاً بعد التحول الكبير الذي حدث منذ عام 2021، فقد انتقلت البلاد من مرحلة كانت فيها المرأة تحقق تقدماً نسبياً في التعليم والعمل والمشاركة العامة، إلى مرحلة من القيود الواسعة التي أثّرت على مختلف جوانب حياتها، فيما تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن هذه التغيرات لم تقتصر على جانب واحد، بل شملت التعليم والعمل والحياة الاجتماعية، ما أدى إلى تراجع واضح في فرص النساء وتقليص حضورهن في المجتمع داخل افغانستان.
انكماش دور المرأة
في مجال التمثيل السياسي، يُعد تراجع مشاركة المرأة في مؤسسات الدولة من أبرز المؤشرات على حجم التحولات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، ووفقاً لتقارير UN Womenانخفض عدد النساء العاملات في هذه المؤسسات من نحو 1,700 امرأة قبل عام 2021 إلى أقل من 200 امرأة بعده، أي بنسبة تقارب 90%، كما تراجعت حصتهن من 27% إلى أقل من 1%، الأمر الذي أدى إلى شبه غياب المرأة عن مواقع صنع القرار، وأضعف حضورها في الحياة العامة، وقلّص فرصها في المساهمة بصياغة السياسات والتأثير في القضايا الوطنية.
ومع تراجع التمثيل السياسي، امتد التضييق ليشمل الحقوق والحريات العامة، فيما وثقت UNAMA ومنظمات حقوق الإنسان حالات متكررة من الاحتجاز التعسفي والاستجواب والقيود المفروضة على الناشطات والمدافعات عن حقوق الإنسان والمتظاهرات، مع الإشارة إلى أن هذه الانتهاكات تأتي ضمن سياق أوسع من تراجع الحريات المدنية للنساء وتقلص مساحة العمل العام المتاحة لهن.
وبالتوازي مع التغيرات السياسية والحقوقية، تعرضت مشاركة النساء في سوق العمل لانكماش حاد، تشير بيانات UN Women إلى انخفاض النسبة من 16.5% إلى 5.1%، ما يعني تراجعاً كبيراً في مشاركة النساء في الاقتصاد الوطني وخروج أعداد واسعة منهن من سوق العمل نتيجة القيود المفروضة على العمل والتنقل.
أزمة في القطاعات الأساسية
وفي سياق تحليل واقع التعليم في البلاد، يُعد هذا القطاع من أكثر المجالات تأثراً بالتغيرات السياسية التي شهدتها أفغانستان خلال العقد الأخير، إذ تشير بيانات UNESCO وUNICEF إلى أنه قبل عام 2021 كان يشهد توسعاً نسبياً، حيث تجاوزت نسبة التحاق الفتيات بالتعليم الابتدائي 80%، وبلغ عدد الطالبات في التعليم العالي نحو 90 ألفاً، مع تمثيل نسائي يقارب ثلث الكادر التعليمي، بينما بعد عودة طالبان إلى السلطة تراجع الوضع بشكل حاد نتيجة القيود المفروضة على تعليم وعمل وحركة النساء، ما أدى إلى انخفاض كبير في معدلات استمرار التعليم وحرمان نحو 2.2 مليون فتاة من مواصلة تعليمهن، مع تحذيرات من توسع هذا الرقم في حال استمرار القيود.
وعلى صعيد الإعلام، فقد انعكس التضييق على المجال العام بشكل واضح في تراجع حضور النساء، إذ انخفض عدد الصحفيات من نحو 2,500 إلى ما يقارب 400 صحفية بحلول عام 2025، بما يمثل تراجعاً يتجاوز 80%، كما شهد القطاع الإعلامي تزايداً في القيود والانتهاكات المهنية والضغوط التي تؤثر على عمل الصحفيات، فضلاً عن اتساع التحديات المرتبطة بحرية التعبير.
وفي القطاع الصحي، تظهر مؤشرات التدهور بشكل حاد في خدمات الأمومة والرعاية، إذ تشير UNFPA إلى ارتفاع معدل وفيات الأمهات إلى نحو 620 وفاة لكل 100,000 ولادة حية، مع تأكيد تقارير أممية أن أفغانستان ما تزال من بين أعلى الدول عالمياً في وفيات الأمهات، مع وفاة امرأة تقريباً كل ساعتين بسبب مضاعفات الحمل أو الولادة، في ظل نقص حاد في الكوادر الطبية النسائية وتراجع إمكانية الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية الأساسية.
وبالتوازي مع التحديات المعيشية، برزت أزمة نفسية متفاقمة بين النساء، حيث تكشف مسوحات الأمم المتحدة عن انتشار واسع لحالات القلق والاكتئاب والضغوط النفسية بين النساء والفتيات، نتيجة القيود الاجتماعية والاقتصادية وتراجع فرص التعليم والعمل والمشاركة العامة، الأمر الذي دفع منظمات دولية إلى التحذير من تفاقم أزمة الصحة النفسية في البلاد.
تصاعد المعاناة
وفي ظل هذا التدهور المتعدد الأبعاد، تصاعدت حالات العنف ضد النساء، حيث تؤكد تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان أن القيود المفروضة على النساء وتراجع آليات الحماية والإبلاغ؛ زادت من تعرضهن لمختلف أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي، في ظل ضعف واضح في الوصول إلى العدالة والخدمات الداعمة، ما يعكس استمرار التحديات المرتبطة بحماية النساء ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات.
ومع تراكم هذه الأزمات، تتسع الاحتياجات الإنسانية على نحو غير مسبوق، حيث تفيد تقارير UNOCHA وUN Women أن ملايين النساء والفتيات بحاجة إلى دعم أو حماية إنسانية، في ظل تدهور واسع في الخدمات الأساسية وتراجع فرص التعليم والعمل والرعاية الصحية، الأمر الذي يفاقم من هشاشتهن الاجتماعية والاقتصادية ويزيد من المخاطر التي تتعرض لها النساء والفتيات في حياتهن اليومية.
وفي ضوء هذه المؤشرات، يتضح أن واقع المرأة في أفغانستان بين 2020 و2026 شهد تحولاً بنيوياً عميقاً، حيث تراجع حضورها من 16.5% إلى 5.1% في سوق العمل، ومن 27% إلى أقل من 1% في السياسة، مع حرمان 2.2 مليون فتاة من التعليم وتوثيق حالات واسعة من القيود والانتهاكات.
وتؤكد بعثة الأمم المتحدة (UNAMA) أن ما جرى لم يكن مجرد تغيير في السياسات، بل إعادة تشكيل كاملة لدور المرأة، حيث انتقلت الأزمة من سياق النزاع إلى أزمة بنيوية تمس التعليم والعمل والصحة والمشاركة، مع اتساع الفجوة بين الواقع الموثق والواقع الفعلي على الأرض.
تمكين المرأة الأفغانية وحماية حقوقها
لذا؛ يتوجب على المرأة الأفغانية التمسك بحقوقها الأساسية التي كفلتها المواثيق الدولية، وفي مقدمتها الحق في التعليم والعمل والمشاركة المجتمعية، باعتبارها حقوقاً جوهرية لا يمكن التخلي عنها تحت أي ظرف، كما ينبغي تعزيز الوعي الذاتي لدى النساء بأهمية دورهن في بناء المجتمع، والعمل على تطوير المهارات والمعارف التي تساعدهن على التكيف مع الظروف الصعبة، والاستفادة من أي فرص تعليمية أو تدريبية متاحة، حتى في ظل القيود المفروضة.
ومن المهم أيضاً أن تسعى النساء إلى تعزيز روح التضامن والتكافل فيما بينهن، من خلال إنشاء شبكات دعم اجتماعي غير رسمية تساهم في تبادل الخبرات وتوفير الدعم النفسي والمعنوي، بما يعزز قدرتهن على الصمود في مواجهة التحديات اليومية، كما يتوجب العمل على رفع مستوى الوعي داخل المجتمع بأهمية دور المرأة كشريك أساسي في التنمية وليس كطرف هامشي، من خلال الحوار المجتمعي والمبادرات المحلية التي تسلط الضوء على أهمية مشاركتها.
وفي السياق نفسه، يبرز دور المنظمات الحقوقية والهيئات الدولية في دعم المرأة الأفغانية عبر برامج الحماية والدعم القانوني والإنساني، إضافةً إلى توثيق الانتهاكات والعمل على الضغط من أجل ضمان احترام حقوق النساء وعدم تراجعها، كما أن تعزيز فرص الوصول إلى الخدمات الأساسية، خاصةً التعليم والرعاية الصحية والدعم النفسي، يُعد من العوامل الأساسية التي تساهم في الحد من تدهور أوضاع النساء.
وبذلك، فإن تمكين المرأة الأفغانية لا يقتصر فقط على المطالبة بالحقوق، بل يشمل أيضاً بناء قدراتها الداخلية، وتعزيز صمودها الاجتماعي، وتوسيع دائرة الدعم المحلي والدولي، بما يضمن الحفاظ على ما تبقى من مكتسبات، وتهيئة الأرضية لأي تحسن مستقبلي في وضعها داخل المجتمع الأفغاني.