ربما يكون هذا المقال غريبا بعض الشيء، ولكن كما نرى، الشرق الأوسط يموج بالحروب الدموية، ووجود مجموعات التطرف والإرهاب تتفشى في كل الدول، وكتبنا من قبل عن مشروع المفكر عبد الله أوجلان “الأمة الديمقراطية، والإسلام الديمقراطي”، وهما المشروعان اللذان نرجو الوصول إليها، لتعيش البشرية في سلام وإخاء، وعادة للأسف أن يعرقل من يسمون أنفسهم برجال الدين، أو من يُعرفون بحرّاس أبواب السماء، وظهر الإرهابيون في كل مكان وتحت أسماء مختلفة؛ منها داعش؛ ولكن هزمه الشجعان في قوات سوريا الديمقراطية “قسد”؛ كما توجد تنظيمات إرهابية تحمل الفكر نفسه، مثل بوكو حرام وتنظيم القاعدة وأنصار بيت المقدس؛ ويكفي أن نقول أن الفكر المتطرف هو الذي يحكم سوريا الانتقالية، ويأتي هذا المقال في ذكرى اغتيال المفكر المصري فرج فودة.
خلفيةالتكفيرتمهيداللاغتيال
أصدر الدكتور فرج فودة عدة كتب منها: الحقيقة الغائبة، قبل السقوط – الملعوب؛ وكلها نقد ومعارضة للفكر الديني السائد؛ خاصة أن كتاب “الملعوب” فضح شركات توظيف الأموال التي انتشرت أواخر الثمانيات ووظفت أموال المصريين؛ ثم نهبوها ولم يعيدوها للمودعين؛ وكتاب الحقيقة الغائبة عبارة عن نقض كتاب (الفريضة الغائبة) الذي ألفه (عبد السلام فرج) أحد الذين قتلوا الرئيس أنور السادات…
ونظرا لأهمية كتابات فرج فودة، عُقدت في معرض الكتاب الدولي بالقاهرة في كانون الثاني 1992، مناظرة فكرية تحت عنوان “مصر بين الدولة الإسلامية والدولة المدنية” استمرت ثلاث ساعات متواصلة، وحضرها أكثر من ثلاثين ألف شخص من أتباع تيارات الإسلام السياسي.
انقسم المُحاضرون في المناظرة إلى فريقين: الأول، يمثل” الدولة الدينية، ويضم الشيخ محمد الغزالي، ومأمون الهضيبي، نائب مرشد جماعة الإخوان؛ والمتحدث باسم الجماعة الإخوانية حينها، والمفكر الإسلامي الدكتور محمد عمارة، والفريق الآخر، يمثل”الدولة المدنية”، ويضم الدكتور محمد خلف الله، والدكتور فرج فودة؛ الذي كان آخر المتحدثين؛ وكان أغلبية الحشد الحاضر ضد فرج فودة يهتفون ضده.
قال فودة: لا أحد يختلف على “الإسلام الدين”، لكن المناظرة اليوم حول منطلقات الدولة الدينية”، وبين “إسلام الدين “و”إسلام الدولة” رؤية واجتهاد، وأن “إسلام الدين” في أعلى عليين، أما “إسلام الدولة ” فهو كيان سياسي وكيان اقتصادي وكيان اجتماعي يلزمه برنامج تفصيلي يحدد أسلوب الحكم”.
ثم خاطب فرج فودة الإخوان المسلمين قائلاً: إذا كان التنظيم السري جزءاً من فصائلكم أم لا، تدينونه اليوم أم لا؟ هل مقتل النقراشي والخازندار بدايات لحل إسلامي صحيح؟ أو أن الإسلام سيظل دين السلام، ودين الرحمة، والدين الذي يرفض أن يُقتل مسلم ظلماً وزوراً وبهتاناً لمجرد خلاف، وهو ما دفع مأمون الهضيبي، للقول إن “الإخوان يتقربون إلى الله بأعمال التنظيم الخاص “كيان الإخوان المسلمين السري المسلح “وإنه لا يوجد لدى الجماعة برنامج تفصيلي. شعر حينها أنصار تيار الإسلام السياسي، أنهم عجزوا عن مواجهة فودة، بشيء من المنطق، خصوصاً فيما يتعلق بقضية “دولة الإسلام”، ومن ثم تحولت المناظرة لتحريض واضح وشحن علني لتكفيره، والطعن بأفكاره، وعقيدته وإيمانه.
لم تهدأ أجواء الصراع بين الطرفين بعد المناظرة؛ لكنها اشتعلت، إذ ظهر الشيخ محمد الغزالي عقبها في برنامج “ندوة للرأي” على التلفزيون المصري، وقال بوضوح: “إن من يدعو للعلمانية مرتد يستوجب أن يطبق عليه حد الردة”، موجهاً كلامه تجاه فرج فودة الذي ألّف كتاباً يدعو للمفاهيم العلمانية تحت مسمى “حوار حول العلمانية”.
وعقب بيان “جبهة علماء الأزهر”، تسابقت المرجعيات التكفيرية للمجموعات المسلحة للتأكيد على فتوى تكفير فرج فودة ووجوب قتله، تحريض من فوق ألف منبر ومنبر.
تنفيذ الاغتيال
بعد المناظرة بأقل من ستة شهور َ يوم الثامن من حزيران من عام 1992، وفى تمام السادسة والنصف مساءً، أطلق إرهابيون الرصاص على الدكتور المفكر فرج فودة ؛ فأردوه قتيلا؛ أمام العمارة التي يسكن بها؛ وقتل معه بواب العمارة، وفي المحكمة سأل القاضي أحد من نفذوا عملية القتل، لماذا قتلته، وهل قرأت كتبه، فأجاب إنه جاهل بالقراءة والكتابة، والغريب إن الرئيس الأسبق محمد مرسي أصدر عفواً رئاسياً في عام 2012 عن “أبو العلا عبد ربه”، أحد الإرهابيين المدانين في العملية؛ وكان محكوم عليه بالسجن المؤبد، وبعد كل هذا؛ أفلا يحق لنا أن ندافع بكل قوتنا عن مشروع الإسلام الديمقراطي للمفكر القائد عبد الله أوجلان؟