روناهي/ قامشلو ـ تمر الذكرى العاشرة لاستشهاد القيادي فيصل أبو ليلى، أحد أبرز الشخصيات التي ارتبط اسمها بالمقاومة ضد داعش والمعارك المفصلية التي شهدتها مناطق شمال وشرق سوريا، وبعد مرور عشرة أعوام على استشهاده؛ ما يزال حضوره حاضراً في ذاكرة الأهالي والمقاتلين الذين يستذكرون مسيرته النضالية وتضحياته التي جعلت منه رمزاً للشجاعة والإصرار.
استشهد القيادي فيصل أبو ليلى في الخامس من حزيران عام 2016 متأثراً بإصابته خلال مشاركته في حملة تحرير منبج، بعد سنوات من القتال والدفاع عن المناطق التي شهدت أعنف المواجهات في سوريا، ومع حلول هذه الذكرى، تتجدد الدعوات لاستذكار إرثه ودوره في مسيرة المقاومة، واستحضار القيم التي جسدها في حياته ومواقفه.
نجم في سماء روج آفا
وقبل عشرة أعوام، أصبح “أبو ليلى” نجماً في سماء روج آفا، كان إنساناً طيباً ومستقيماً ومخلصاً لشعبه، كما عُرِفَ بقوته في مواجهة أعدائه، من الشَّيخ مقصود إلى كوباني، ومن سدّ تشرين إلى منبج، عاش كقصيدةٍ، وقاتل كقصيدةٍ، واستشهد كقصيدةٍ، وكان رفاقه يقولون: “إذا ألقى بنفسه في النَّار، فلن نتردّد لحظةً في اللّحاق به”.
لقد خاض القيادي “أبو ليلى” معارك متواصلة ضدَّ هجمات النظام السوري السابق ومرتزقة داعش والدَّولة التُّركيَّة، وفي أحلك لحظات إرهاب داعش، عندما كانت الآمال تتلاشى، كان يرفع معنويّات رفاقه وشعبه بشعار: “عاشت مقاومة وحدات حماية الشَّعب YPG”.
كان اسمه الحقيقي “فيصل عبدي سعدون”، إلّا إنَّ الجميع كانوا يعرفونه باسم “أبو ليلى”، فقد كان شديد التَّعلّق ببناته “ليلى ورهف وسرهلدان وخوندا”، وكان يحلم بأنَّ تواصل ليلى تعليمها وتصبح طبيبة، وكان يقول: “ليلى ذكيَّة جداً، وستصبح طبيبة”، وعندما استشهد كانت ابنته الصُّغرى “خوندا” لا تزال في شهرها الثَّامن عشر من عمرها.
نبو سعدون.. أول مقاتل في العائلة
وعرف أغلبنا اسم “أبو ليلى”، خلال حملة تحرير منبج من مرتزقة داعش، لكن مسيرته النّضاليَّة تعود إلى عام 1988 عندما انضمَّ شقيقه الأكبر “نبو عبدي سعدون”، إلى صفوف حركة التَّحرّر الكردستانيَّة، ووُلِدَ أبو ليلى عام 1984 في قرية “قرارعشك” التَّابعة لكوباني، في عائلة وطنيَّة تضمُّ اثني عشر طفلاً. وعندما كان في الرَّابعة من عمره، انضمَّ شقيقه إلى حزب العمال الكردستاني، ونشأ “أبو ليلى” على قصص البطولة الّتي كان يسمعها عن شقيقه وعن المقاتلين في حركة التحرر الكردستانية، وكان نبو عبدي سعدون، المعروف باسم “سيدار”، يعمل في تلك الفترة في لبنان ضمن فريق الحماية الخاصّة للقائد عبد الله أوجلان.
طفولة أبو ليلى
وفي طفولته، عمل “أبو ليلى” تارةً في المصانع وتارةً في مواقع البناء للمساعدة في إعالة أسرته، وانتقل مع عائلته إلى منبج، بينما بقيت دجلة، المرأة التي أحبها في كوباني، كانت “دجلة أحمد سعدون” ابنة عمه، نشآ معاً وتزوّجا عام 2008، وفي عام 2009 وُلدت ابنتهما الكبرى ليلى، ومنذ ذلك الحين أصبح الجميع في منبج يعرفونه باسم “أبو ليلى”.
انضمامه إلى العمل الثوري عام 2010
سار “أبو ليلى” على خطا شقيقه نبو، وقرّر الانخراط بشكلٍ فعّالٍ في العمل التَّنظيمي مع انطلاق انتفاضات “الربيع العربي” في الشرق الأوسط ومن ثم بدء ثورة روج آفا، وبسبب ضغوط النظام السوري السابق، كان يعمل بسريّة، وكان يقول: “لا ينبغي لشعبي أنْ يُطأطئَ رأسَهُ أمام أحد”، وظلَّ يفكر دائماً في شعبه. في البداية ناضل ضمن كتيبة جبهة الكرد التَّابعة للجيش السُّوري الحرّ، ثم ضمن كتيبة ثوار سوريا.
من الشَّيخ مقصود برز أبو ليلى
وفي عام 2011، عندما خرج الكرد في حي الشَّيخ مقصود بمدينة حلب مطالبين بحياة عادلة وديمقراطيَّة وحرّة، واجهوا هجمات نظام البعث، وفي تلك المرحلة كان أبو ليلى يتولّى قيادة إحدى الجبهات، ولعب دوراً هامّاً في تعزيز مقاومة الأهالي، ومع تأسيس وحدات حماية الشَّعب (YPG) عام 2012، ازدادت أسس الثَّورة في روج آفا وسوريا قوةً وتنظيماً، وشُكلت وحدات متعدّدة على مختلف الجبهات، وفي عام 2014 أسّس أبو ليلى كتيبة “شمس الشَّمال”، وعندما شنَّتْ مرتزقة داعش هجماتها على كوباني في أيلول من العام نفسه، انضمَّ “أبو ليلى” ومقاتلوه إلى صفوف وحدات حماية الشَّعب ووحدات حماية المرأة، وشاركوا في الدّفاع عن المدينة جنباً إلى جنب.
من صرّين إلى الشَّدادي
وبعد تحرير كوباني في كانون الثاني 2015، حان دور المناطق الأخرى، وشارك أبو ليلى في حملات تحرير “صرّين وكري سبي وسدَّ تشرين والهول والشَّدّادي” من مرتزقة داعش، وخلال المعارك الّتي خاضها أُصيب ما لا يقلُّ عن سبع مرّات، لكنَّه واصل أداء مهامه بمعنويّات عاليَّة وإيمان راسخ، وبعد ذلك جاءت مرحلة تحرير منبج.
أصبح خالداً في منبج
وفي الأول من حزيران 2016 انطلقت حملة تحرير منبج، وكان مجلس منبج العسكري قد أُسِّس في نيسان من العام نفسه، وبصفته عضواً في المجلس العسكري وقائداً لكتيبة شمس الشَّمال، أُصيب أبو ليلى بجروح بالغة في الثَّالث من حزيران إثر سقوط قذيفة هاون في قرية خفية أبو قلقل، نُقل في البداية إلى قامشلو لتلقّي العلاج، ثمَّ إلى مدينة السَّليمانيَّة في إقليم كردستان، وفي الخامس من حزيران 2016 انضمَّ إلى قافلة الشُّهداء.
انتشر خبر استشهاد أبو ليلى بسرعة في مختلف أنحاء روج آفا وكردستان، ورغم الحزن العميق الّذي أصاب رفاقه، فإنَّهم أقسموا على تحقيق الأحلام الّتي ناضل من أجلها، وفي السَّابع من حزيران شارك آلاف الأشخاص في تشييع جثمانه ودفنه في مزار الشَّهيدة دجلة بمدينة كوباني.
“حملة الشَّهيد فيصل أبو ليلى”
وتكريماً لذكرى نضاله وإرثه، غيّر رفاقه اسم حملة منبج إلى “حملة الشَّهيد فيصل أبو ليلى”، كما اتَّخذ عدد كبير من المقاتلين اسم “أبو ليلى” لقباً لهم، واستمرُّوا في القتال حتَّى تحرير المدينة، لينتشر اسمه في مختلف المناطق، كما افتُتحت أكاديمية الشَّهيد أبو ليلى الّتي حملت اسمه.
رمز العطاء والنضال
وتبقى ذكرى استشهاد القيادي “فيصل أبو ليلى” محطةً تستحضر قيم التضحية والإصرار من أجل الحرية والكرامة، وبعد سنوات على رحيله، ما زال حضوره حياً في ذاكرة رفاقه ومحبيه، وتبقى مسيرته رمزاً للعطاء والنضال، وإرثاً تستلهم منه الأجيال معاني الصمود والوفاء للمبادئ.