قامشلو/ دعاء يوسف – في ظل استمرار الجدل حول مستقبل سوريا وشكل نظامها السياسي، ترى مثقفات كرديات أن الاعتراف باللغة الكردية لم يعد مطلباً ثقافياً فقط، بل تحول قضية ترتبط بالشراكة السياسية والعدالة الاجتماعية وبناء دولة تتسع شعوبها، بعيداً عن سياسات الإقصاء والتهميش التي عمقت الانقسامات لعقود طويلة.
في وقت تتجدد فيه النقاشات حول شكل سوريا الجديدة، تعود قضية الاعتراف باللغة الكردية إلى الواجهة بوصفها واحدة من أبرز الملفات المرتبطة بالحقوق الثقافية والسياسية للكرد في سوريا. وبينما يرى مثقفون وكتّاب كرد أن اللغة تمثل جوهر الهوية والوجود، تتصاعد المطالب بترسيخ الاعتراف بها دستورياً كلغة رسمية، باعتبار ذلك خطوة أساسية نحو بناء دولة قائمة على الشراكة والتعددية، بعيداً عن سياسات الإقصاء والإنكار التي رافقت عقوداً طويلة من حكم الأنظمة السورية.
الهوية والاعتراف الدستوري
وترى الكاتبة “لمعة علي”، أن الاعتراف باللغة الكردية لا يرتبط فقط بالجوانب الإدارية أو التعليمية، بل يمثل قضية وجودية تتعلق بحقوق الشعب الكردي الإنسانية والسياسية؛ لأن اللغة تحمل تاريخ وثقافة وذاكرة الشعوب. والاعتراف الدستوري باللغة الكردية إلى جانب العربية في المناطق الكردية يشكل أساساً لضمان بقية الحقوق الثقافية والسياسية والاجتماعية، لأن أي حقوق أخرى تبقى ناقصة ما لم تستند إلى حماية دستورية واضحة.
وتقول: “هذا الاعتراف ينعكس بشكل مباشر على الهوية الثقافية للكرد داخل المجتمع السوري، خاصة بعد عقود من سياسات الإنكار والصهر”، مشيرة إلى أن تجربة الإدارة الذاتية، وتعليم اللغة الكردية ساهم في تعزيز شعور الفرد الكردي بالانتماء والأمان الثقافي. كما أن استخدام اللغة الأم في المدارس والمؤسسات والفضاءات العامة ينقل الهوية الكردية من مرحلة الدفاع عن الوجود إلى مرحلة المشاركة والإنتاج والتفاعل الإيجابي داخل المجتمع السوري.
والاعتراف باللغة الكردية لا يخدم الكرد وحدهم، بل يعزز التعددية داخل سوريا ويحولها عنصر قوة وطنية مقابل بعض العقليات السياسية والاجتماعية التي ما تزال تتبنى خطاباً إقصائياً، بمخاوف تتعلق بالانفصال أو تهديد الهوية العربية، رغم أن التجارب التاريخية تثبت أن الاعتراف بحقوق الشعوب هو الطريق الحقيقي للاستقرار.
وبعض الخطوات الحالية، ومنها “المرسوم 13″، تبقى محدودة وغير كافية لأنها تتعامل مع اللغة الكردية مادة اختيارية لا حقاً دستورياً ثابتاً، بينما تتمثل تطلعات الكرد باعتراف صريح باللغة الكردية كلغة رسمية، وخاصة في مناطقهم التاريخية.
منعٌ طويل ومطالب مستمرة
وفي السياق ذاته، تقول الكاتبة وعضوة اتحاد مثقفي الجزيرة “حسينة أحمد”، شعوب العالم تمتلك لغتها الخاصة التي تعبر عن هويتها وثقافتها، لذلك فإن اللغة الكردية للشعب الكردي جزء أساسي من وجوده الثقافي والاجتماعي. وترى أن تقسيم كردستان إلى أربعة أجزاء حرم الكرد من لغتهم، وأجبرهم على التعلم بلغات الدول التي سيطرت على وطنهم، رغم أن اللغة تمثل ثقافة كل شعب وقوميته.
وتشير إلى أن الأطفال الكرد يدرسون بلغتهم الأم منذ ما يقارب ثلاثة عشر عاماً، ما خلق جيلاً تربى على لغته وأتقنها، معتبرة أن فرض لغة أخرى عليه في هذا العصر لم يعد أمراً واقعياً، خاصة في ظل الحديث عن الانفتاح والتطور. كما ترى أن الاعتراف باللغة الكردية ضمن الدستور السوري سيكون خطوة إيجابية وديمقراطية للسوريين عامة، لأنه يعكس احترام حقوق الشعوب الأخرى، بينما يؤدي حصر الدولة بلغة واحدة إلى إعادة إنتاج عقلية الأقلية والأكثرية.
وتضيف حسينة أحمد: العوائق الحقيقية لا تكمن في استحالة الحل، بل في الذهنية السلطوية والعنصرية التي ترفض الاعتراف بحقوق الشعوب وتحاول فرض لغة واحدة على قوميات مختلفة، وأن هذه السياسات تعكس حالة من الانغلاق، بينما المجتمعات المتطورة تتقبل التنوع وتحترمه.
أما فيما يتعلق بدور المثقفين والكتّاب، فتوضح أن مسؤوليتهم تتمثل في الحفاظ على اللغة الكردية عبر الكتابة بها واستخدامها في الحياة اليومية، سواء داخل الأسرة أو في العمل والمجتمع، إلى جانب التركيز على غنى اللغة ومفرداتها وإظهار أصالتها في مختلف المجالات.
الاعتراف بتعدد اللغات
بدورها، تقول الكاتبة “روليانا عفرين”، إن اللغة الكردية ما تزال جزءاً أساسياً من هوية الشعب الكردي، وإن السياسات التي اتبعتها الأنظمة السورية عبر عقود طويلة قامت على فكرة الصوت الواحد واللغة الواحدة والقومية الواحدة، في محاولة لإقصاء بقية الشعوب. وترى أن الكرد لم يناضلوا يوماً من أجل المناصب، بل سعوا للحصول على حقوقهم التي سلبتها الأنظمة المتعاقبة، وفي مقدمتها حقهم في التحدث والتعلم والكتابة بلغتهم الأم.
وتلفت إلى أن نظام البعث سابقاً، وحتى الذهنية الموجودة اليوم داخل الحكومة السورية، ما تزال تحمل الفكر نفسه القائم على تهميش التنوع، رغم استمرار الكرد بالمقاومة عبر التعليم والكتابة والحفاظ على لغتهم. كما ترى أن تعلم أجيال كاملة القراءة والكتابة بالكردية وتمسكهم بلغتهم كان بمثابة رد واضح على محاولات الطمس والإلغاء.
وعن دور الكتّاب، تشير روليانا إلى أن الكتّاب والكاتبات الكرد لعبوا دوراً كبيراً في حماية اللغة الكردية، إذ استمروا بالكتابة رغم المنع والتضييق، بينما يواصل الجيل الجديد اليوم الطريق ذاته للحفاظ على لغته وإظهار جمالها. وشددت في ختام حديثها على أن الاعتراف باللغة الكردية ضمن الدستور السوري يجب أن يكون من الأولويات؛ لأن سوريا لا يمكن أن تكون موحدة دون الاعتراف الحقيقي بكل شعوبها.