يعيش السوريون اليوم واحدة من أكثر المراحل تعقيداً وقسوةً في تاريخهم الحديث، في ظل واقعٍ داخلي مُثقل بالأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية. ولم تعد الأزمة الاقتصادية في سوريا مجرد نتيجةً مباشرة للحرب الطويلة أو للعقوبات المفروضة على بعض الكيانات الرسمية، بل تحولت إلى أزمةٍ بنيوية عميقة تهدد مقومات الدولة والمجتمع معاً، وتضع ملايين السوريين أمام تحديات معيشية غير مسبوقة.
وفي مختلف المحافظات السوريّة تتصاعد مظاهر الفلتان الأمني وحالة الاحتقان الشعبي، بالتزامن مع تدهور مستمر في الأوضاع المعيشية. وقد زاد الإعلان الأخير لوزارة الاقتصاد والصناعة في الحكومة السورية المؤقتة بشأن تسعيرة القمح من حدة الغضب الشعبي، بعدما حُدد سعر الطن بنحو 46 ألف ليرة سوريّة، أي ما يعادل قرابة 335 دولاراً وفق سعر صرف السوق الموازية، وهو ما اعتبره المزارعون سعراً مجحفاً لا يغطي تكاليف الإنتاج المرتفعة.
وأشعل القرار موجةً واسعةً من الاعتراضات والاحتجاجات في عدة مناطق سوريّة، عبّر خلالها المزارعون والأهالي عن استيائهم من السياسات الاقتصادية المُتّبعة، في وقتٍ لم يصدر فيه أي تعليق رسمي يُهدئ من حالة الغضب المتصاعدة، ويعكس هذا المشهد، مرةً جديدة، حجم الفجوة بين السلطات القائمة وواقع الشارع السوري المنهك، في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار بصورةٍ متسارعة، نتيجة التقلبات الحادة في سعر صرف الدولار، الأمر الذي انعكس بشكلٍ مباشر على أسعار المواد الغذائية والاحتياجات الأساسية للمواطنين.
ويبدو إن المشهدَ السوري يتجهُ نحو مزيد من التأزم، خاصةً مع تفاقم الأزمة الإنسانية بالتزامن مع تقليص برنامج الأغذية العالمي عملياته داخل سوريا بسبب نقص التمويل الحاد، وتكتسب هذه التطورات خطورتها من حقيقة إن نحو 90 في المئة من السوريين يعيشون اليوم تحت خط الفقر، وفق تقديرات أممية، وذلك بعد أكثر من عام على سقوط النظام السوري السابق الذي حكم البلاد لعقودٍ طويلة.
كما إن أزمة القمح الأخيرة فتحت الباب أمام مخاوف متزايدة بشأن الأمن الغذائي في البلاد، بعدما رأى الفلاحون إن التسعيرة الجديدة لا تحقق الحد الأدنى من العدالة الاقتصادية، ولا تشجع على استمرار العملية الزراعية أو إنعاش هذا القطاع الحيوي، وزاد من حالة الغضب الشعبي التراجع الإضافي في قيمة الليرة السوريّة، وما تبعه من ارتفاعٍ كبيرٍ في تكاليف المعيشة، الأمر الذي جعل الحياة اليومية أكثر صعوبة بالنسبة لغالبية السوريين، في ظلِّ ضعف الرواتب وارتفاع أجور السكن وتآكل القدرة الشرائية بصورةٍ غير مسبوقة.
وفي المحصلة، تبدو سوريا أمام مرحلة انتقالية شديدة الحساسية، تتداخل فيها الأزمات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، بينما تتزايد المخاوف من انفجارٍ داخلي نتيجة سوء الإدارة واتساع الهوّة بين السلطة والشارع، وبين حرارة الصيف اللاهبة وضغط الأزمات المتراكمة، يبقى المواطن السوري هو الحلقة الأضعف، يواجه يومياً معركة البقاء وتأمين أبسط مقومات الحياة. وبعد سنوات طويلة من الحرب والآلام والانهيارات، لا يزال السوريون يتطلعون إلى حقهم الطبيعي في العيش بكرامة وأمان واستقرار.