No Result
View All Result
ضياء إسكندر
في هذه البلاد، حين يُفتح ملفُّ عدالةٍ فجأة، لا يتجه النظر إلى الجريمة نفسها، بقدر ما ينشغل بتفحّص التوقيت… ومن اختير اسمه بعناية ليتصدّر المشهد. وفي هذا السياق، تزامُن الإعلان عن اعتقال أمجد يوسف، المتهم بارتكاب مجزرة التضامن في دمشق، مع توقيف عاطف نجيب، الذي ارتبط اسمه بانتهاكاتٍ قاسية في درعا شملت اقتلاع أظافر أطفال وإهانة ذويهم وفق الاتهامات المنسوبة إليه، إضافةً إلى إلقاء القبض على اللواء عدنان عبود حلوة، أحد الضباط المتهمين بالتورط في مجزرة الكيماوي في الغوطة دمشق.
لا يبدو صدفةً، لأن كثيرين يرونه خطوةً مدروسةً، تُعرض في لحظةٍ تتصاعد فيها دعوات الإضراب والاعتصام في أكثر من منطقة، احتجاجاً على قرارات وممارسات سلطة الأمر الواقع. ففي الصورة المعلنة، هناك حديث عن ملاحقة قتلة الماضي، وعن بداية طريق نحو العدالة، أما في أذهان الناس، فتتشكل صورةً أخرى تماماً، يختصرها سؤال مباشر: لماذا هؤلاء فقط؟ وأين بقية المتورطين؟
هنا تبدأ الحكاية الفعلية، ليس عند الأسماء التي ظهرت، بل في تلك التي بقيت في الظل، محفوظة بعناية، وكأن ملفاتها تنتظر توقيتاً “أنسب”… أو ذاكرةً أقصر. ليتحول ميزان العدالة إلى دفتر انتقاء، تُدرج فيه القضايا وفق اعتبارات بعيدة عن حجم الألم وعدد الضحايا وثقل الجريمة، وتُفتح بعض الصفحات على عجلٍ، وتُطوى أخرى بإحكام، بانتظار ظرفٍ سياسي أقل إحراجاً.
الحديث عن قتلة النظام السابق حاضر بقوة، وهذا مفهوم. غير أن صفحات أخرى خطيرة، لا تقلُّ قسوة، ما زالت خارج التداول، على الرغم من أنها معروفة بالاسم والتفصيل، ويجري تجنّب فتحها بصمتٍ؛ لأنها تتعلق بقتلة ينتمون إلى صفوف ما تسمى بالمعارضة نفسها، ممن ارتكبوا انتهاكات فادحة، وتبقى، رغم ذلك، خارج دائرة الضوء والمساءلة. وهذا ما يثير غضباً مشروعاً؛ كيف يُطلب من الناس أن يثقوا بمسارٍ يتجاهل جزءاً من الحقيقة؟ وكيف يُقنع الضحايا بأن العدالة جادة، فيما يُحاسَب بعض الجناة ويُترك آخرون، فقط لأنهم يقفون في جهةٍ مختلفة؟
بهذا الشكل، تتحوّل العدالة إلى عملية انتقاء لا إلى مبدأ، ويغدو القانون أداةً تُستدعى حين تُناسب، وتُعلّق حين تُحرج. الناس لم يعودوا ينخدعون بسهولة. التجارب القاسية علّمتهم أن الشعارات شيء، وما يجري على الأرض شيء آخر. وما يُقدَّم اليوم تحت عنوان “العدالة” لا يبدو، في نظر كثيرين، سوى محاولة لامتصاص الاحتقان وتهدئة المجتمع، أو كسب وقتاً إضافياً، أكثر منه خطوة حقيقية نحو إنصاف الجميع.
وفي المقابل، المجتمع نفسه تغيّر، والحراك الشعبي لم يعُد احتمالاً بعيداً، بل بات أقرب إلى واقع يتشكل تدريجياً. في المدن والبلدات، هناك غضب يتراكم، وصبر ينفد، وحياة يومية تزداد صعوبة يوماً بعد يوم.
والمطالب واضحة ولا تحتاج شرحاً؛ عيشٌ كريم، وعدالة حقيقية لا تفرّق بين طرف وآخر، ووقفٌ لمسار التدهور الذي يضغط على الناس من كل جهة، هذه ليست مطالب سياسية معقدة، وإنما حقوق أساسية لم تعُد تحتمل التأجيل.
وفي ظلّ هذا المشهد، تكمن الإشكالية في أن الاستمرار في هذا النهج، حتى لفترة قصيرة، يدفع الأمور نحو مزيد من الانفجار، فحين يشعر الناس بأن العدالة غائبة، وإن صوتهم لا يجد من يصغي إليه، يتحوّل الشارع إلى الخيار الوحيد المتبقي أمامهم.
نحن أمام لحظة حساسة، لا يكفي فيها الكلام، ولا تنفع فيها المناورات، والأمور تتجه إلى اختبارٍ واضح: إما عدالة تشمل الجميع بلا استثناء، أو واقع يتعمق فيه الظلم أكثر، وتتسع فيه الفجوة بين السلطة والناس. أما القوى السياسية، فلم يعُد أمامها وقت للمراقبة من بعيد، لأن ما يجري في الشارع اليوم يتجاوز البيانات والتصريحات. والناس يتحركون، ويطرحون أسئلتهم بصوت عالٍ، ولا ينتظرون أحداً ليمنحهم الإذن. ومن يتأخر عن فهم هذه اللحظة، قد يكتشف متأخراً إن المشهد تغيّر… وإنه خرج منه دون أن ينتبه، تاركاً خلفه وهماً لم يلاحظ لحظة انهياره.
No Result
View All Result