No Result
View All Result
رفيق إبراهيم
العقوبات التي فرضها المجتمع الدولي على سوريا، جاءت رد فعل على سياسات النظام السابق في سوريا، إبان الأزمة السورية، وكان من أشدها قانون قيصر، الذي دخل حيز التنفيذ عام 2020، بهدف ثني النظام عن الانتهاكات والممارسات التعسفية، ضد الشعب السوري، وإيقاف شلال الدم، خلال سنوات الأزمة، لكن النظام السوري تمادى بشكل أكبر، واستمر في ارتكاب الانتهاكات والجرائم بشتى أشكالها.
المجتمع الدولي فرض العقوبات استهدافا للنظام، ولكنها لم تنجح في تحييد المدنيين عن نتائجها، وكانت نتائج تلك العقوبات وخيمة على السوريين، وخاصة في المجالات الإنسانية، كما كان لها أثار سياسية انعكست بشكل سلبي على الأوضاع في سوريا، فساهمت في تعزيز علاقات النظام السوري مع دول كروسيا والصين وإيران، فدخلت روسيا الأزمة السورية بشكل مباشر منذ عام 2015، إلى جانب النظام، وأعادت الكثير من المناطق الخارجة عن سيطرته، بعدما كان يترنح وينتظر السقوط.
سقوط النظام ورفع العقوبات
وبعد سقوط النظام السوري أواخر العام 2024، تم رفع العقوبات الأمريكية، والأوروبية، على مراحل، وفي أيار 2025، أعلنت أمريكا رفع العقوبات المفروضة على الحكومة المؤقتة السورية، بوساطة سعودية، خلال زيارة جمعت ترامب مع رئيس الحكومة المؤقتة السورية، أحمد الشرع، تحت مسمى إعادة الإعمار، وتحسين الظروف المعيشية للسوريين، الاتحاد الأوروبي من جهته، كان قد أعلن في شباط 2025 رفع العقوبات عن سوريا، في قطاعات الطاقة، والنقل، والخدمات المصرفية.
العقوبات التي فرضت على النظام السوري، دفعته لتجارة المخدرات، فدرت مليارات الدولارات سنوياً، ما ساهمت بشكل كبير في تحييد النظام للتأثر بها، في حين لم يستفد الشعب السوري، من ذلك شيئاً، ما زاد من وطأة تأثير العقوبات على الشعب السوري، فاستجدت في هذه الأوضاع تحولات سياسية واقتصادية في سوريا، والمطلوب من الحكومة المؤقتة، اتباع سياسة صفر مشاكل مع دول الإقليم، والمجتمع الدولي، خاصة مع تدمير ترسانة سوريا العسكرية، التي كانت تهدد الأمن في المنطقة والشرق الأوسط.
فلماذا رُفعت العقوبات عن سوريا بعد سقوط النظام السابق؟ فذلك يتلخص في نقاط عدة:
– التحولات التي طرأت في سوريا، وتشكيل الحكومة المؤقتة، وخلق فرصة لتطبيع العلاقات، ودعم المرحلة الانتقالية في سوريا.
– تلبية مطالب دول الخليج، بالترادف مع تثبيت المعادلة السورية الجديدة، لدعائم الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط، وخاصة الحفاظ على أمن إسرائيل، ومن ثم توقيع اتفاقية التطبيع الكامل معها، والاستثمار في سوريا بما يحقق مصالحهم في المنطقة.
– أمريكا وحلفاؤها، يدركان الحاجة الملحة لسوريا، بإعادة الإعمار، وتحقيق الاستقرار، بما يحقق ما تصبو إليها سياسياً، كما أن رفع العقوبات ستساهم في جذب الاستثمارات المختلفة، وتمكين الاقتصاد السوري من التعافي.
– التعامل مع المستجدات، بما يساهم في زوال حزب الله، وتراجع النفوذ الإيراني، وتثبيت النفوذ، على حساب شركاء سوريا التقليديين.
بناء الثقة خطوة هامة
رفع العقوبات، يتطلب إجراءات وبروتوكولات خاصة بها، قد تستغرق وقتاً، ما ينعكس على تحقيق تأثير ملموس على الاقتصاد السوري، فبناء الثقة من الأمور الهامة التي يجب أن تحدث، للمضي في الاستفادة القصوى من رفع العقوبات. لذا؛ يجب اتخاذ خطوات داخلية في مسألة الهيكلية المالية، ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وسن القوانين والتشريعات الجديدة، وتشجيع الاستثمارات.
سوريا اليوم، تحتاج لإعادة بناء البنية التحتية، التي دمرت خلال سنوات الحرب، وهذه تتطلب وجود مئات المليارات من الدولارات، حيث أن العديد من التقارير لمنظمات دولية، أكدت أن ثمانين بالمائة من السوريين، يعيشون أوضاعاً معيشية صعبة، وهم تحت خط الفقر، ما يتطلب أولا تعافي الاقتصاد، والحكومة السورية المؤقتة، عليها تهيئة الظروف المناسبة، لإخراج السوريين من حالة الفقر المدقع، وانتشالهم من الأوضاع الصعبة التي يعيشونها.
رفع العقوبات عن سوريا، خطوة هامة نحو تعافي الاقتصاد السوري، وهي تمهد لعودة العلاقات الاقتصادية، وأيضا السياسية، مع دول الإقليم، والمجتمع الدولي، ما سينعكس على تنشيط حركة التجارة الخارجية، التي ستؤثر على الداخل السوري، بشكل كبير، وبعد رفع العقوبات الكلي، هناك توقعات بإعادة الليرة السورية عافيتها، مقابل العملات الأخرى، ومع رفع العقوبات سيرتفع الناتج المحلي الإجمالي السوري، إلى أضعاف مضاعفة، وستخلق فرصة جيدة لبدء مرحلة التعافي، ولكن، هناك تحديات كبيرة، تتطلب جهودا متضافرة، يشارك فيها السوريون جميعهم.
برفع العقوبات، سيعود فتح باب الاستثمارات، ما سيمهد عودة سوريا إلى النظام المالي الدولي، وإزالة العوائق أمام النشاط الاقتصادي، وسيشجع البنوك، والشركات الدولية، على إعادة بناء علاقاتها، مع الدول، وأساس ما تحدثنا عنه، هو إعادة بناء البنى التحتية، كخطوة أساسية للبناء عليها، وتأسيس اقتصاد قوي، ينهي معاناة السوريين، ويضع سوريا على الطريق الصحيح.
ولعل أهم العوائق التي تؤخر عجلة التنمية في سوريا الجديدة، الوضع الأمني وتشعباته الكثيرة، الذي يمكن أن يحول دون تشجيع المستثمرين، والدخول في السوق السورية. لذا، من أولى الخطوات وجوب تحقيق الأمن والاستقرار في سوريا.
– إصدار قوانين وتشريعات جديدة، بما يخدم جلب المستثمرين، دون خوف أو خشية من تعرضهم لابتزاز مالي أو قانوني، والتصالح مع السوريين وإشراكهم في القرارات المصيرية بما يؤمن حقوقهم الكاملة.
– خلق بيئة جاذبة للاستثمار، لضمان حقوق المستثمرين، ومكافحة الفساد، لتوفير البيئة المناسبة، للمستثمرين، لأن غياب تلك الإصلاحات، سيشكل العائق الأكبر لجذب المستثمرين ورؤوس الأموال، وخاصة الخليجية ومن دول العالم المختلفة، وضمن الظروف المحيطة بسوريا، في هذه المرحلة، قليلة نسبياً، لأن أصحاب رؤوس الأموال لن يخاطروا في ظل ظروف غير مستقرة، بالدخول في السوق السورية.
تطبيق اتفاق كانون الثاني
في ظل التقلبات في سوريا، يستوجب على الحكومة المؤقتة، وهي المعنية، بتنفيذ العديد من الإصلاحات، التي تحدثنا عنها سابقا، كما أن من واجبها، وضع خطط واستراتيجيات شفافة وواضحة، توضح رؤيتها لتطوير القطاعات، كما يجب تسهيل الإجراءات، وتحديث القوانين التجارية، والاستثمارية في البلاد، وضمان حماية حقوق المستثمرين، وحقوق الشعب السوري في الحين ذاته.
ومن الأمور التي لا تقبل النقاش تقديم كل ما أمكن من دعم للإنتاج المحلي، والعمل على الاكتفاء الذاتي، وتقليل استيراد المواد التي تثقل كاهل السوريين، وخفض أسعار السلع، بهدف دعم عجلة الإنتاج المحلي، وتحقيق نمو اقتصادي، بما يسهل التقليل من التأثير على الحالة المعيشية والحياة اليومية للمواطنين، ويدفع بعجلة التقدم والازدهار في المجالات كافة، والتوصل لحل المشاكل في أقل وقت ممكن.
والأمر المهم الآخر، الذي يجب ألا يغفله أحد، العمل على تنفيذ اتفاقية التاسع والعشرين من كانون الثاني الماضي، بين قوات سوريا الديمقراطية، والحكومة المؤقتة، والتعامل مع بنوده بجدية، وخلق الأجواء المناسبة لتطبيق بنودها، بما يكفل حقوق الكرد، والشعوب والمكونات الأخرى، وحتى الآن تسير عملية الدمج وفق المخطط الذي وضع لها، ونحن لا ننكر وجود عوائق وعقبات، قد تؤخر مدة تطبيق الاتفاقية، ولكن بالمحصلة، هناك توافق حول الكثير من القضايا العالقة.
ومتى ما توصلت قوات سوريا الديمقراطية، والحكومة المؤقتة، لحل القضايا في عملية الدمج، فإن نتائجها ستعم على المناطق السورية الأخرى، وستساهم في إيجاد الحلول لها أيضاً، وعلينا ألا نغفل دور الدول الإقليمية، في التوافق بين السوريين، أو زيادة الهوة والخلافات، وعليها اليوم، المساهمة في تذليل الخلافات والتحديات، من أجل سوريا جديدة موحدة آمنة، تتحقق فيها العدالة، والديمقراطية، والحرية.
No Result
View All Result