No Result
View All Result
دجوار أحمد آغا
يومٌ ينقل الرمزية إلى الفعل، محطة نضالية تتجاوز حدود الاحتفال التقليدي لتعبّر عن تاريخ طويل من الصراع من أجل العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية. إنه الأول من أيار، يوم العمال العالمي، يوم تختلط فيه ذاكرة التضحيات مع آمال المستقبل، وتُستعاد فيه القيم التي قامت عليها الحركات العمالية في مواجهة الاستغلال والهيمنة. ومع التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم، تزداد الحاجة إلى إعادة قراءة هذا اليوم ليس فقط كحدثٍ تاريخي، بل كمرجعيةٍ فكرية وسياسية، خاصةً في ضوء الطروحات التي قدمها المفكر عبد الله أوجلان حول المجتمع، والعمل، والحرية.
الجذور التاريخية
يعود الاحتفال بالأول من أيار كيومٍ عالمي للعمال، إلى أواخر القرن التاسع عشر، وتحديداً إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث خاض العمال معارك شرسة في مواجهة الرأسمالية الناهضة بقوة، من أجل تحسين ظروف العمال وتقليل ساعات العمل اليومية. كانت أبرز هذه المحطات إضرابات شيكاغو عام 1886، حين خرج آلاف العمال مطالبين بتحديد يوم العمل بثماني ساعات، في مواجهة نظام رأسمالي قاسٍ استنزف طاقتهم وكرامتهم. تحوّلت تلك الاحتجاجات إلى صدامٍ دموي بعد تدخّل الشرطة، فيما عُرف لاحقاً بـ”مجزرة هايماركت”، حيث ارتقى عدد من الضحايا، وتم إعدام قادة عماليين، لكن هذه التضحيات لم تذهب سدىً، إذ أصبح الأول من أيار رمزاً عالمياً لنضال الطبقة العاملة، واعتمدته الحركات العمالية في مختلف أنحاء العالم يوماً للتضامن والمطالبة بالحقوق. 
قضيةٍ إنسانية شاملة
رغم انطلاقه من سياقٍ طبقي محدد، إلا أن اليوم العالمي للعمال؛ تجاوز معناه الضيق ليصبح تعبيراً عن كرامة الإنسان بشكلٍ عام. فالعمل ليس مجرد وسيلة لكسب الرزق، بل هو جوهر وجود الإنسان ووسيلته للمشاركة في بناء المجتمع. ومن هنا، فإن الدفاع عن حقوق العمال هو في جوهره دفاع عن إنسانية الإنسان. في عالم اليوم، لم تعد التحديات مقتصرة على ساعات العمل أو الأجور، بل امتدت لتشمل قضايا مثل البطالة، والعمل الهش، واستغلال العمال في الاقتصاد الرقمي، واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، هذا الواقع يجعل من الأول من أيار مناسبةً متجددة لإعادة طرح الأسئلة الكبرى حول العدالة، والمساواة، ونمط الحياة الذي يفرضه النظام الرأسمالي.
نقد الفردانية الليبرالية
في سياق العولمة الرأسمالية، برزت الفردانية الليبرالية كنموذجٍ مهيمن يقدّم الفرد باعتباره وحدة مستقلة عن المجتمع، ويُعلي من شأن المنافسة على حساب التعاون. هذا النموذج، رغم ما يرفعه من شعارات الحرية، أدى عملياً إلى تفكيك الروابط الاجتماعية وتحويل الإنسان إلى كائن استهلاكي معزول، يعيش في صراع دائم مع الآخرين. إن ما يمكن تسميته بـ “الفرد الليبرالي المتوحش” ليس سوى نتاج لنظام اقتصادي يسعى إلى تعظيم الربح ولو على حساب القيم الإنسانية. ففي هذا السياق، يصبح العامل مجرد أداة إنتاج، وتُختزل علاقاته الاجتماعية في منطق السوق. وهنا تبرز الحاجة إلى بديل فكري وأخلاقي يعيد الاعتبار للمجتمع كإطار جامع للإنسان.
فلسفة القائد عبد الله أوجلان حول العمل والمجتمع 
يقدّم القائد والمفكر عبد الله أوجلان؛ رؤية نقدية عميقة للنظام الرأسمالي، ويرى أن أزمة العصر تكمن في الابتعاد عن “المجتمعية” بوصفها جوهر الوجود الإنساني. فبحسب طرحه، لم يكن الإنسان في تاريخه كائناً فردانياً، بل نشأ وتطوّر ضمن جماعات تعاونية قائمة على التضامن وتقاسم الموارد منذ زمن الكلان. في هذا السياق، يربط القائد عبد الله أوجلان بين العمل والحرية، معتبراً أن العمل الحقيقي هو الذي يتم في إطار مجتمعي كومينالي يحقق منفعة المجتمع، وليس ذاك الذي يُفرض على الفرد ضمن علاقات استغلالية، وهو ينتقد بشدة تحويل العمل إلى سلعة، ويرى أن ذلك يمثل أحد أبرز مظاهر اغتراب الإنسان عن ذاته. كما يؤكد القائد أوجلان أن الاشتراكية، في جوهرها، ليست مجرد نظام اقتصادي، بل هي تعبير عن القيم الإنسانية العميقة، مثل التعاون، والمساواة، والعدالة. ومن هنا، فإن الدفاع عن حقوق العمال لا ينفصل عن مشروع أوسع لإعادة بناء المجتمع على أسس ديمقراطية وإنسانية.
المجتمع الديمقراطي كبديلٍ حضاري
في مواجهة أزمات الدولة القومية والرأسمالية، يطرح القائد أوجلان مفهوم “المجتمع الديمقراطي” كبديلٍ حضاري يقوم على التنظيم الذاتي، والمشاركة الشعبية، والتعددية بدءاً من الكومين. في هذا النموذج، لا يكون الإنسان مجرد تابع لمؤسسات الدولة أو السوق، بل فاعلاً أساسياً في صنع القرار وإدارة شؤونه. يكتسب العمل في هذا الإطار معنى جديداً، حيث يتحول من عبء مفروض إلى نشاط اجتماعي هادف يساهم في بناء الحياة المشتركة. كما يتم تجاوز الانقسام التقليدي بين العمل اليدوي والفكري، ويُعاد الاعتبار لكافة أشكال العمل باعتبارها ضرورية لاستمرار المجتمع.
ويُولي هذا النموذج أهمية خاصة لدور المرأة، باعتبارها كانت أول من عانى من الاستغلال في التاريخ، ويرى أن تحررها يشكّل شرطاً أساسياً لتحرر المجتمع ككل. كما يشدد على البعد البيئي، داعياً إلى نمط إنتاج يحترم الطبيعة ولا يستنزفها.
رؤية وتقييم القائد أوجلان للمبادئ الأساسية للاشتراكية
أعاد القائد عبد الله أوجلان تناول نظرية الاشتراكية وتقييمها جذرياً، لتصبح اشتراكية متجددة بالقيم الديمقراطية الكومينالية. هذا التجديد لم يكن مجرد تحديث نظري، بل كان ثورة فكرية تجعل من الاشتراكية قوةً حيّة قادرة على مواجهة تحديات العصر: الفردانية المتوحشة، تدمير البيئة، وقمع المرأة، وبهذا أصبح الأول من أيار لهذا العام فرصة تاريخية للتعمق في «الاشتراكية الديمقراطية» وتقديم مبادئها الأساسية بصورة شاملة وملهمة. وعلى هذا الأساس يرى القائد والمفكر عبد الله أوجلان أن المبادئ الأساسية للاشتراكية الديمقراطية تكمن فيما يلي:
ـ حماية المجتمعية (الحياة الكومينالية) وتحقيق التوازن الأمثل بين المجتمع والفرد، حيث تُشكّل المجتمعية خط الدفاع الأول عن الكيان الاجتماعي أمام الفردانية المتوحشة التي تروّج لها الفلسفة الليبرالية: (شجرة واحدة حرة، وغابة أخوية). إنها مواجهة مستمرة للأنانية وللمادية والبراغماتية التي تُقدِّم العالم المادي على كل شيء، وتطوير قيم الروحانية والمشاركة والكومينالية بدلاً منها. 
ـ تحرير المرأة التي هي الركيزة الأساسية للحرية والمساواة. تؤكد الاشتراكية الديمقراطية أن دور تحرير المرأة مركزي في تحقيق الحرية والمساواة الاجتماعية، فالمرأة هي أول من استُعمِرَت تاريخياً (جنساً، قومياً، طبقياً). عقلية القتل الطبقي (الكاستي) هي التعبير الأوضح عن الهجمات على قيم المجتمعية؛ لذا فإن النضال الأساسي يكمن في القضاء على هذه العقلية ومواصلة الكفاح من أجل تحرير المرأة كطريق أساسي نحو تحرير المجتمع بأسره.
ـ الدفاع عن البيئة عبر مواجهة الخطر الأكبر على البشرية. يُعدّ تدمير الطبيعة اليوم التهديد الأخطر الذي يواجه الكادحين والمضطهدين وكل الكائنات الحية. نشأت الأزمة البيئية كنتيجةٍ مباشرة للأزمة الاجتماعية، وأصبحت اليوم تشكّل «مشكلة هابيتوس» (أي مواقف معادية للطبيعة ليست شخصية فحسب، بل نتاج بيئة اجتماعية – ثقافية). تضيق ساحة الحياة يوماً بعد يوم بسبب العقلية الرأسمالية الحداثية التي تُشعل الحروب وتستغل ريعها من أجل المزيد من الأرباح، فتواجه الطبيعة والبشرية مذابح كبرى.
الإصرار على الاشتراكية بوصفها إنسانية
لا يتعامل المفكر أوجلان مع الاشتراكية كأيديولوجيا جامدة، بل كحالةٍ إنسانية متجددة تنبع من حاجة المجتمع إلى العدالة والتوازن. فهو ينتقد تجارب الاشتراكية المشيّدة التي تحولت إلى أنظمةٍ سلطوية، لكنه في الوقت ذاته يرفض التخلي عن القيم الاشتراكية الأساسية. إن الإصرار على الاشتراكية، يعني الإصرار على الدفاع عن حقوق الإنسان في مواجهة قوى الاستغلال، وهو تأكيد على أن الحرية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق في ظل الفقر والتهميش، وإن العدالة الاجتماعية ليست ترفاً، بل ضرورة لضمان استقرار المجتمعات.
الأول من أيار في ظلِّ التحولات الراهنة
في ظلِّ الأزمات الاقتصادية العالمية، والحروب، وتزايد النزعات القومية، يكتسب اليوم العالمي للعمال أهمية مضاعفةً، فهو يذكّر بضرورة التضامن بين الشعوب، وبأن القضايا العمالية لا يمكن حلها ضمن حدود الدولة القومية فقط، بل تحتاج إلى تعاون دولي قائم على العدالة. كما أن التغيرات التكنولوجية تفرض تحديات جديدة، مثل الذكاء الاصطناعي والأتمتة، التي قد تؤدي إلى فقدان ملايين الوظائف، وهذا يتطلب إعادة التفكير في مفهوم العمل ذاته، وفي كيفية توزيع الثروة بشكلٍ عادل.
ختاماً يمكننا القول بأن الأول من أيار ليس مجرد ذكرى تاريخية، بل هو دعوة مفتوحة لمواصلة النضال من أجل عالم أكثر عدلاً وإنسانية. وبينما يستحضر هذا اليوم تضحيات العمال في الماضي، فإنه يضع على عاتق الأجيال الحاضرة مسؤولية بناء مستقبل مختلف، قائم على التضامن والمشاركة. في مواجهة الفردانية المتوحشة، تبرز الحاجة إلى استعادة روح المجتمعية، ليس كشعار، بل كممارسة يومية تعيد للإنسان إنسانيته. ومن خلال تبني قيم المجتمع الديمقراطي، والإصرار على العدالة الاجتماعية، يمكن تحويل هذا اليوم من مناسبة رمزية إلى نقطة انطلاق نحو تغيير حقيقي، هكذا يبقى الأول من أيار صوتاً للذين يعملون، ويحلمون، ويناضلون، من أجل حياة تليق بالإنسان.
No Result
View All Result