أيمن روج
في شمال شرق سوريا، وعلى طول الشريط الحدودي مع تركيا والعراق، حدثت واحدة من أخطر عمليات إعادة تشكيل الديموغرافيا في التاريخ الحديث للبلاد، سياسات أعادت رسم الأرض والهوية معاً، وأثارت نزاعات مستمرة حول العدالة والحقوق: إنه ما عُرف بـ “الحزام العربي” في روج آفا، هذا المشروع لم يكن مجرد خطة زراعية أو قرار إداري عابر، بل سياسة ممنهجة بدأت في ستينيات القرن الماضي وامتدت آثارها لعقودٍ، تؤثر على آلاف الأسر والكثير من المدن والقرى حتى اليوم.
تعود جذور الحزام العربي إلى مطلع ستينيات القرن العشرين بعد استيلاء حزب البعث على السلطة عام 1963، حين بدأت الأوساط الأمنية والحزبية بوضع تصور لإعادة تشكيل البنية السكانية في الحدود الشمالية الشرقية بذريعة الأمن القومي. وكان الإحصاء الاستثنائي في محافظة الحسكة عام 1962 خطوة مفصلية، حيث جُرّد عشرات الآلاف من الكرد من الجنسية السوريّة، ما مهّد قانونياً وإدارياً لفكرة الحزام قبل أي تنفيذ عملي.
وقد بدأ التخطيط العملي على يد الملازم أول محمد طلب هلال، رئيس الشعبة السياسية في محافظة الحسكة، الذي قدّم تقريراً بعنوان “دراسة عن محافظة الجزيرة من النواحي القومية والاجتماعية والسياسية”، ركّز فيه على ما أسماه “المشكلة الكردية”، ودعا إلى تجريد السكان الكرد من أراضيهم ومن الجنسية السورية، وممارسة سياسات التهجير والتعريب، وإقامة مستوطنات عربية على أراضيهم التاريخية، وفي 24 حزيران 1974، أصدر النظام السوري قراراً لتنفيذ المشروع على أرض الواقع، بطول يصل إلى نحو 350 كيلومتراً وعرض يتراوح بين 10 و15 كيلومتراً، مع مصادرة آلاف الكيلومترات من أراضي الكرد وإسكان عوائل عربية هناك.
وصف بعض المؤرخين هذا التقرير بأنه محاولة لتقليد الاستيطان الإسرائيلي في فلسطين على حساب الشعب الكردي، من خلال إنشاء مستعمرات عربية في الشريط الحدودي لتعزيز النفوذ القومي العربي وإضعاف الوجود الكردي. وقد أُنشئت حوالي 40 إلى 45 قرية نموذجية أُسكنت فيها عائلات عربية نُقلت من مناطق مثل ريف الرقة وحلب، وبعضها من عشائر تضررت أراضيها بسبب بناء سد الفرات، والمعروفة باسم “المغمورين”. وتقدّر المصادر الكردية أن الأراضي المصادرة تجاوزت 600 ألف دونم وقد تصل إلى أكثر من مليون دونم، تم توزيعها على المستوطنين الجدد بعقود انتفاع أو تمليك، بينما بقي أصحابها الأصليون بلا تعويض كافي.
الدوافع الرسمية للمشروع كانت ترتكز على اعتبارات الأمن القومي وتعزيز “الطابع العربي” للحدود، ومنع أي محاولة للتواصل مع حركات كردية في دول الجوار، إضافةً إلى مشاريع التنمية الزراعية وإعادة توطين فلاحين متضررين من سد الفرات، أما القراءة الكردية، فتؤكد أن الدافع الأساسي كان سياسياً قومياً، يهدف إلى تغيير البنية الديموغرافية وإضعاف الثقل السكاني الكردي، خاصةً في الجزيرة التي تضم مدناً مثل قامشلو والحسكة وعامودا والدرباسية وتربه سبيه وديرك.
أدى الحزام العربي إلى احتقان اجتماعي طويل الأمد بين السكان الكرد والعائلات العربية الوافدة، رغم أن كثيراً من هؤلاء لم يكونوا طرفاً في التخطيط السياسي.
سياسياً، أسهم المشروع في ترسيخ الشعور بالتمييز لدى الكرد، مع سياسات تقييد تسجيل الأسماء الكردية والحد من التعليم باللغة الكردية، واستمرار مشكلة عديمي الجنسية لعقودٍ حتى صدور مراسيم معالجة جزئية عام 2011.
اقتصادياً، أثّر المشروع على أنماط الملكية والإنتاج الزراعي، وأضعف شريحة من الفلاحين الكرد، وحوّل بعضهم إلى عمال أو مهجرين داخليين وخارجيين. ومع اندلاع الأزمة السوريّة عام 2011 وبروز الإدارة الذاتية في روج آفا، عاد ملف الحزام العربي إلى الواجهة، واعتُبر أحد أبرز مظالم الماضي التي ينبغي معالجتها ضمن أي مسار للعدالة الانتقالية، مع إعادة النظر في عقود التمليك وإمكانية إعادة الأراضي إلى أصحابها الأصليين أو تعويضهم.
يبقى الحزام العربي إحدى العلامات الفارقة في العلاقة بين الدولة السوريّة والكرد، وما زالت تداعياته حاضرة في النقاشات حول مستقبل سوريا، واللامركزية، وحقوق الشعوب، والعدالة التاريخية. معالجة هذا الملف تتطلب قراءة هادئة وموثقة، تعترف بمعاناة المتضررين، وتبحث عن حلول قانونية تضمن الاستقرار والتعايش لجميع السكان، بعيداً عن منطق الانتقام أو الإقصاء، لأن الأرض التي كانت محور النزاع يمكن أن تصبح أساس شراكة عادلة إذا توفرت الإرادة السياسية لذلك.