سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

ثقافة الشرق الأوسط وهيمنة الحداثة الرأسمالية ـ2ـ

عبد الله أوجلان –
لن نستطيعَ تحليلَ التطوراتِ الطارئةِ على الواقعِ الكرديِّ خلال القرنَين الأخيرَين، إلا على ضوءِ هذه المتغيراتِالجاريةِ عالمياً وإقليمياً. حيث عُمِلَ على تضييقِ الخناقِ على كردستان تدريجياً في مطلعِ القرنِ التاسعِ عشر، من قِبَلِ الإمبراطوريةِ الإنكليزيةِ جنوباً عبر العراق، ومن قِبَلِ روسيا القيصريةِ شمالاً. في حين كانت الإمبراطوريةُ العثمانيةُ تخوضُ غمارَ حربِ الوجودِ أو العدمِ في سبيلِ الصمودِ والوقوفِ على قدَمَيها تحت ظلِّ حصارِ كِلتا القوتَين لها أيضاً. وما مساعي سليم الثالث ومحمود الثاني الإصلاحيةُ سوى بهدفِ تأخيرِ الانهيار. أما محاولاتُ والي مصر محمد علي باشا في تبديلِ الأسرةِ الحاكمة، فما كان بالمقدورِ إيقافُها، إلا بالتنازلاتِ المُقَدَّمةِ إلى الإمبراطوريتَين الإنكليزيةِ والروسية. وبينما كانت الحربُ الملليةُ تُبَعثِرُ الإمبراطوريةَ وتُشَتِّتُها، فقد وُجِدَ في الالتحاقِ بالنظامِ الغربيِّ عن طريقِ الإصلاحاتِ حلاً تُعقَدُ عليه الآمالُ في عرقلةِ الاضمحلال. وماميثاق التحالف ، إلغاءُ الانكشارية، تأسيسُ الجيشِ النظاميِّ الجديد، فرمانُ الإصلاحِ والتنظيمات، المَلَكِيّةُالأولى والمَلَكِيّةُ الثانيةُ سوى لهذا الغرض. وحصيلةَ تلك الإصلاحات، تحققَ الالتحامُ تماماً بالنظامِ الرأسماليِّ المهيمن. وهذا ما آلَ بدورِه إلى انفتاحِ بوابةِ ثقافةِ الشرقِ الأوسطِ على مصراعَيها أمام حملاتِ النظامِ القائمِ في الغزوِ والصَّهرِ مادياً ومعنوياً في آنٍ معاً. وتيارُ النزعةِ العثمانيةِ المُؤَسَّسُ لهذا الغرض، والتحديثُ البيروقراطيُّ الرامي إلى تحقيقِ ذلك؛ ليسا في جوهرِهما سوى بهدفِ وقفِ انهيارِ أجهزةِ السلطةِ التقليديةِ المُسَلَّطةِ على الشعب، وتصعيدِ الهيمنةِ الرأسمالية. وقد كانت إنكلترا المُوَجَّهَ الرئيسيَّ في هذا الشأن. في حين كان تأثيرُ فرنسا وألمانيا وروسيا أيضاً سيزدادُ طردياً. عندما نَعكفُ على تحليلِ تمرداتِ القرنِ التاسعِ عشر وحركاتِه الاستقلالِ فيه، فمن الواجبِ الإدراكُ على أتَمِّ وجهٍ لحالةِ المَرَضِ الذي أَلَمَّ بالإمبراطورية، وأنّ الحُكّامَ الفعليين لها هم القوى الرأسماليةُ المهيمنة. فقد كان السلطانُ العثمانيُّ وبيروقراطيتُه يَحكمون الإمبراطوريةَ ظاهرياً، في حين أنّ هذا الحُكمَ لَم يَكُ يتميزُ بأيِّ معنى أكثر من كونِهم دُمىً. لَم يقتصر الأمرُ على الإمبراطوريةِ العثمانيةِ فحسبخلال القرنَين الأخيرَين، بل إنّ اللاعبين الأُصَلاء المتلاعبين بالإمبراطوريةِ الإيرانيةِ أيضاً هم قوى النظامِ المهيمنة، وما عداها كانوا رموزاً صُورية. ذلك أنّ الاحتلالَ والغزوَ والاستعمارَ المباشرَ كان يُكَلِّفُها باهظاً من جهة، ولا داعي له على صعيدِ مآربِها من جهةٍ أخرى. فبلوغُ المآربِ المهيمنةِ بِيَدِ الرموزِ الصّورية، كان يتطلبُ أقلَّ التكاليف، ويتحققُ بأوطدِ الأشكالِ على حدٍّ سواء. لكنّ جميعَ الشعوبِ (بما فيها الأتراكُ كأثنيةٍ مسيطرة) باشرَت بالانتفاضِ في وجهِ هذا النظامِ المهيمنِ الجديد. ما جرى حينها كان ردودَ فعلٍ عارمةً ومقاومةً شاملة. فقامَ النظامُ بطويرِ مختلفِ الأساليبِ بغيةَ قمعِها ودَرءِ خطرِ الانشقاق. والاستشراقيةُوحملاتُ التبشيرِ والنزعةُ الإصلاحيةُ كانت أساليباً رئيسيةً في هذا المضمار. كما أُضيفَت إليها التياراتُ المناديةُ بالمَلَكيةِ الدستوريةِ (المشروطية) والقومويةِ أيضاً. أما نزعةُ أمةِ الدولة، وكمحصلةٍ لجميعِ الأساليبِ المذكورة، فقد شادت دولاً قوميةً صغيرةً في المنطقة، وأعادت إرفاقَها بالنظامِ القائم. وإلى جانبِ كونِ الحركاتِ المناهِضةِ للنظام، والمتصاعدةِ على أرضيةِ ثورةِ أكتوبر، قد أَحرزَت مكاسباً ذاتَ شأن؛ إلا أنّ عجزَها عن تجاوُزِ الحداثةِ الرأسماليةِ وتطويرِ عصرانيةٍ جديدة، قد انتقلَ بها إلى أزمةٍ عميقة. هكذا، وبين أُرفِقَ فريقٌ بالنظامِ القائم، بات الباقون معارِضين مشلولي التأثير.

التعليقات مغلقة.