No Result
View All Result
قامشلو/ ملاك علي – أكدت نساء أحرار أنّ ضفائر الكرديات ستبقى مشدودة كالقَسَم، وحرة كالوطن، وأن كل محاولة لقصّها ستقابل بولادة جديدة للمعنى والمقاومة، وذلك رداً على قطع ضفيرة إحدى المقاتلات الكرديات في مدينة الرقة.
في أحد أكثر المشاهد قسوة التي تداولتها وسائل التواصل الافتراضي، ظهر المرتزق التابع للحكومة المؤقتة في سوريا، “رامي الداهش”، وهو يتباهى بحمل جديلة مقاتلة بعد استشهادها أمام الكاميرا، لم يكن المشهد مجرد استعراض وحشي، بل رسالة متعمدة تهدف إلى إذلال المرأة المقاتلة والنيل من كرامتها حتى بعد الشهادة، إذ إن التمثيل بالجثة وقطع الشعر لا يمكن فصلهما عن سياق طويل من العنف الممنهج ضد النساء، ولا سيما اللواتي كسرن الأدوار التقليدية وشاركن بفاعلية في الدفاع عن مجتمعاتهن وهوياتهن فالحروب لا تكتفي بقتل الإنسان جسدياً، بل تسعى إلى كسر رموزه ومحو معانيه والنيل من كرامته حتى بعد الموت.
الجديلة بين القداسة والهوية
في مناطق الجزيرة، لدى الكرد والعرب على حدّ سواء، ترتبط الجديلة بطقوس الفقد والحزن العميق، فتقوم النساء بقصّ جدائلهن عند وفاة أحد أفراد العائلة، ويمدَّنها إلى جانب المفقود كدلالة على أن الجديلة هي أغلى ما تملكه المرأة، ويتم ذلك بإرادتها الحرة؛ لأن المصيبة تكون أكبر من أي اعتبار آخر، وفي الذاكرة الشعبية المتداولة، يُقال: “ما فيك تمس شعرة من راسي”، في إشارة واضحة إلى قدسية الشعر وحرمة المساس به، فكيف إذا تحوّل الأمر إلى انتهاك مصوّر وتحدٍّ علني وتفاخر بما ارتكبته الأيدي أمام الكاميرا.
إنّ هذا الفعل لا يُعد اعتداءً على جديلة امرأة فحسب، بكل ما تحمله من قدسية في المفهوم العشائري ولدى الأهل والأقارب، بل يُعد تجاوزاً واضحاً للخطوط الحمراء وتحدياً مباشراً للعائلة والمجتمع، بما يمنحه في الأعراف الاجتماعية دلالة عدائية خطيرة. والجديلة هنا جديلة كردية، مجدولة بقيم الكردايتي، وتنتمي إلى وطنٍ ينزف، ما يجعل الجريمة أكثر عمقاً وأشد إيلاماً في بعدها الرمزي والإنساني.
في الوجدان الكردي، لا تُختزل الجديلة في كونها مظهراً جمالياً، بل تُعد رمزاً متجذراً في التاريخ الاجتماعي والروحي، ومرتبطة بقوة المرأة الكردية وعزيمتها. فقد كانت النساء يشدُنَّ شعرهن ويسدلنّه على الصدر في أوقات الخطر، في إشارة إلى الاستعداد والصمود وعدم الخضوع للأعداء، تعبيراً عن مكانة المرأة كشريكة في النضال والدفاع عن الأرض والهوية.
وفي الثقافة العربية، يرتبط شعر المرأة ارتباطاً وثيقاً بمفاهيم الشرف والكرامة، ولا يُنظر إليه كملكية فردية فقط، بل كجزء من كرامة العائلة والقبيلة. لذلك يُعد قص شعر المرأة رغماً عنها في العرف العشائري جريمة كبرى تعادل الطعن في العرض، لما تحمله من دلالة على الإذلال العلني، وهو ما يجعل الجريمة المرتكبة بحق المقاتلة الكردية تتقاطع في رمزيتها المؤلمة بين الثقافتين الكردية والعربية معاً.
ولا يمكن النظر إلى هذه الحادثة بوصفها واقعة معزولة، إذ تأتي ضمن سلسلة من الانتهاكات التي طالت المقاتلات الكرديات خلال سنوات الصراع، شملت التمثيل بالجثث والتصوير المهين ومحاولات التشهير العلني، في مسعى واضح للنيل من صورة المرأة المقاتلة وكسر معنويات النساء المنخرطات في العمل العسكري، ويعكس هذا السلوك عقلية ترى في المرأة المقاتلة تهديداً مضاعفاً، لأنها كسرت القيود الاجتماعية وواجهت سلطة السلاح بثبات.
الرد لا يمحى
أمام هذه الجريمة البشعة، لم تكتفِ النساء بموقف المتفرج أو الصمت التقليدي للضحية، بل قمن برد فعل جماعي وصارم، أطلقن من خلاله حملة تضامن واسعة عبر منصات التواصل الافتراضي، مستخدمات هاشتاغات تعبّر عن التحدي والصمود والرفض القاطع للانتهاك، في هذه الحملة، ظهرت النساء من مختلف القوميات والأعمار، وهنّ يصوّرن جدائلهن أمام الكاميرا، رافعات الشعر المجدول كرمز للكرامة والمقاومة، ليصبح ما كان أداة للانتهاك أو السيطرة، رمزيةً للفخر والهوية.
تحولت الجديلة، التي كان يمكن أن تُرى مجرد جزء من الجسد، إلى فعل مقاومة وجسر بين الفرد والمجتمع، ورسالة جماعية قوية تقول إن ما يُسلب بالقوة أو يُقهر لا يُمحى من الذاكرة ولا من الهوية، لقد أصبحت الضفيرة امتداداً للتاريخ، ومرآة للثقافة، وشهادة على الصمود، ورمزاً لجيل كامل يرفض الانكسار أمام الظلم، من خلال هذا الفعل الرمزي، أعادت النساء تعريف الجسد والكرامة والذاكرة، لتؤكد أنّ المقاومة يمكن أن تكون سلمية. ما جرى في الرقة ليس حادثة فردية معزولة، بل جريمة ذات أبعاد إنسانية وثقافية وجندرية خطيرة تستدعي التوقف والمساءلة. فقطع جديلة مقاتلة كردية بعد قتلها هو محاولة لاغتيال المعنى قبل الجسد، ولضرب صورة المرأة الحرة والمقاومة، إلا أن الرد الشعبي والنسوي أكد حقيقة واحدة: قد تُقتل الأجساد وقد تُنتهك الرموز. لكن؛ الذاكرة أقوى من السكين، فالجدائل تُقصّ مرة، لكنها تُنسج آلاف المرات في الوعي والهوية. جدائل النساء باقية ولا تموت.
No Result
View All Result