No Result
View All Result
أحمد عبد الرؤوف
في مؤشّر لتقدّم الحالة الأدبية والثقافية في شمال وشرق سوريا، وعودة الألق الأدبي لمدينة الرقة التي لطالما كانت عبر التاريخ رئة الكلمة الجميلة، وشريان الحياة في جسد البلاغة والبيان، فقد شهدت درّة الفرات نشاطاً أدبيّاً وثقافيّاً منوّعاً وثريّاً خلال عام 2025
بداية الحراك الثقافي بعد التحرير
تتّسم مدينة الرقة بثبات بنيانها التراثي والتاريخي والأدبي خلال كل العصور التي مرّت بها المدينة في حالَي الحرّيّة والأسر، فلم تتوانَ مدينة الرشيد عن البوح بكل مكنونات صدرها الذي اعتملت فيه خلال فترة احتلالها من قبل مرتزقة داعش، وحتّى تحريرها عام 2017، حين ارتدت وشاح السواد وخيّم الحزن على كل أزقّتها العتيقة، وتحوّلت إلى مدينة صامتة تخشى من أهلها وزوّارها، ولا تستقبل الكلمة أو تبوح بترانيمها، إلى أن تحرّرت من ذلك كله وبدأ مبدعوها يحتفلون على ضفاف فراتها، ويتغزلّون بمحاسن معانيها، ويكتبون تاريخاً جديداً لحروفها، ليبلغ الإبداع ذروته في عام 2025، من خلال مهرجانات وأمسيات وندوات شعرية ونثرية متنوّعة بأسماء شابّة وأخرى من ذوي الخبرة الطويلة، لتكون مضيافة لكل المبدعين ليس ففط من أهلها، بل من جميع أنحاء سوريا، ويشهد بذلك زوّارها من كافّة مناطق سوريا
هيئة الثقافة عطاءٌ متواصل
قدّمت هيئة الثقافة والآثار في مقاطعة الرّقّة دعماً غير مسبوق للحالة الأدبية هذا العام، وذلك من خلال تبنّي فعاليات كبيرة للمبدعين قدّموا خلالها أعمالاً أدبية وثقافية كثيرة وبإعداد وتنظيم مكثّفين أدّيا بالنتيجة إلى إنتاج أدبٍ يليق باسم المدينة، وذلك بأقلام مميّزة استطاعت أن تحفر أسماء أصحابها بجدران التاريخ لأمد بعيد، وفي هذا السياق صرّحت الرئيسة المشتركة لهيئة الثقافة والآثار في مقاطعة الرقة آسيا محمد علي بأن فعاليات هيئة الثقافة لهذا العام لم تقتصر على الأمسيات الشعرية والقصصية وغيرها من أجناس الأدب بشكل تقليدي يعتمد بالمجمل على إنتاج فعاليات وحسب، بل استطاعت هيئة الثقافة إنتاج مهرجانات أدبية نوعية استقطبت الكثير من الشخصيات الأدبية من داخل مناطق شمال وشرق سوريا، ومن كافّة المناطق السورية الأخرى، وذلك من خلال الاعتماد على أبناء الرقة المبدعين الذين استطاعوا خلق حالة توافقية منسجمة تؤدي إلى خلق حالة أدبيّة صحّيّة، ومن هنا جاءت فكرة مهرجان الفرات الأدبي الأول الذي انطلق أواخر شهر أيار من عام 2025، على مدار ثلاثة أيام، استطاعت من خلاله هيئة الثقافة جمع الشعراء والكتّاب والمسرحيين والموسيقيين من كافّة مناطق شمال وشرق سوريا، واستقطاب شخصيات أدبيّة من الساحل السوري وحمص ودمشق، كما شهد المهرجان تنوّعاً ثقافيّاً مميّزاً من خلال استعراض ثقافات جميع مكوّنات المنطقة بفنونهم وآدابهم المتنوّعة، حيث تضمّنت الأيام الثلاثة رحلات تعرّف خلالها المشاركون القادمون من مدن شمال وشرق سوريا، ومن مدن وسط سوريا والساحل والداخل السوري على معالم الرقة الأثرية بمتحفها ومكتبتها العظيمة وأسوارها الأثرية، مهرجانٌ كان مساحة لاحتكاك ثقافات سوريا المنوّعة التي فرّقتها الحرب على مدار أربعة عشر عام مضت، لتثبت الرقة أنها جامعة الأدب ومنارة الإبداع وقِبلة المبدعين مرّة أخرى، واختُتم اليوم الأخير من المهرجان بابتسامات النجاح وحفل تكريم كبير لجميع المشاركين ودموع الفُرقة بينهم على أمل اللقاء من جديد في الرقة
إحياء التراث والشِّعر الشعبي
لم تقتصر نشاطات هيئة الثقافة خلال عام 2025 على المهرجانات الخاصّة بالأدب الكلاسيكي لجميع الثقافات ضمن حلل جديدة، بل تكوّنت فكرة جديدة تقوم على تحقيق ولادة جديدة للشعر الشعبي في الجزيرة السورية التي عانى شعراؤها الشعبيّون لأكثر من خمسة عقود من التهميش المتعمّد خلال حقبة نظام البعث البائد، مبادرة شكّلت البداية لما بعدها تجسّدت بإطلاق هيئة الثقافة لشمال وشرق سوريا “مهرجان الرقة للشعر الشعبي” الذي أُقيم أواخر شهر تشرين الثاني الماضي على مدار يومين، حيث ضمَّ المهرجان كوكبة من كتّاب الشعر الشعبي والنبطي في سوريا والذي يُعتبرُ الأوّل من نوعه في سوريا، تضمّن المهرجان إلقاء قصائد من قبل الشعراء المشاركين بتغطية إعلامية مميّزة وديكورات حديثة تحمل معاني تراث مدينة الرقة من خلال إعداد مركز خاص بجلسة عربية تخلّلتها مقطوعات غنائية تراثية اعتمدت على آلات خاصّة وفرق مبدعة، كما وفّرت هيئة الثقافة لشمال وشرق سوريا ضمن برنامجها زيارات للمشاركين إلى كافّة معالم الرقة الأثرية واختتمت المهرجان بحفل تكريم لجميع المشاركين
ومن اللافت خلال المهرجانين السابقين الحضور المميّز للأديبة السورية سواء بالشعر والنثر الفصيح أو بالشعر الشعبي، حيث حقّقت المرأة حضوراً على مستوى المشاركة وعلى مستوى الإعداد لهذه المهرجانات والمساهمة في إنجاحها والحث على تقديم المزيد، كما شهدت هذا المهرجانات حضوراً كبيراً للشباب المبدعين
إلى ذلك أكدت الرئيسة المشتركة لهيئة الثقافة والآثار في مقاطعة الرقة آسيا محمد علي أن نشاط هيئة الثقافة والآثار في الرقة لم يقتصر على المهرجانات الأدبية، بل كان هناك إعادة افتتاح متحف الرقةالأثري وترميم بيت البعثة الألمانية،
والإشراف على ترميم سور الرقة الأثري وبناء بوابة شارع المنصور المنفذ من قبل هيئة الثقافة لشمال وشرق سوريا، وتم رصد عدد من المخالفات والتعدّيات ضمن المواقع الأثرية وإحالتها إلى ديوان العدالة الاجتماعية، وإقامة مهرجان الطفل السادس في مقاطعة الرقة، والذي تضمّن فقرات تكريمية للأطفال الموهوبين، فيما تم توثيق 25 موقعاً أثرياً جديداً وإدخالها في قاعدة بيانات الهيئة، وإصدار تقارير تقييم أولي لحالة المباني التراثية المتضرّرة، وإعداد جدول بكافة القطع الأثرية الموجودة بمتحف الرقة الأثري مع تبيان وضع كل قطعة
“أقلام رقّيّة” شبابٌ مبدع
وفي خط موازٍ لنشاط هيئة الثقافة والآثار في الرقة كان هناك منتدى وليد ينظّم نشاطات مكثّفة للشباب المبدعين والذي سرعان ما تحوّل لساحة نشاط واسعة استقطبت عدداً كبيراً من مبدعي مدينة الرقة، “منتدى أقلام رقيّة” والذي بدوره استطاع أن يثبت حضوره على الساحة الأدبية في شمال وشرق سوريا من خلال مجموعة من الشباب المبدعين الذين انتزعوا زمام المبادرة ليشهد مسرح مركز الثقافة نشاطات أسبوعية للمنتدى تنوّعت بين الأمسيات الشعرية والقصصية والمسرحية، بحضور جماهيري ملفت، وسرعان ما أصبح المنتدى مقصد المهتمين بالشأن الثقافي والأدبي، وفي التفاصيل أفادت الرئيسة المشتركة لمنتدى أقلام رقّيّة سوسن خليل لصحيفتنا “روناهي” أن عام 2025 شهد نشاطات أدبية مكثّفة تضمّنت بالإضافة للأدب وللشعر دورات أكاديمية للشباب الذين يملكون الموهبة ويحتاجون للدعم الأكاديمي والتشجيع وأخذ الفرصة،
فكان المنتدى مقصد الشباب والشابات على مدار العام، ليتلقّى الهواة محاضرات علمية تُعنى بقواعد الشعر والقصة والمسرح على أيدي كتّاب وشعراء أكاديميين، ويشكّلون أركاناً ثابتة لصرح الأدب في مدينة الرقة، كما شهد عام 2025 تكريماً لعدد من الأدباء والأديبات في مدينة الرقة، والجدير بالذكر أن منتدى أقلام رقية منتدى شبابي مستقل تحت شعار “ثقافة تحت سماء واحدة”
حقّق عام 2025 نقلة نوعية على مستوى الأدب والثقافة في الرقة، لتصبح المدينة مقصداً للكتّاب والمبدعين من جميع مناطق سوريا، وذلك بوجود نخبة من الشعراء والكتّاب الذين جعلوا الفرات شعاراً لمعظم نشاطاتهم وإبداعاتهم.
No Result
View All Result