No Result
View All Result
الرقة/ ميرا إبراهيم – في ناحية السبخة بريف الرقة، في قرية الرحبي، تتجلى صورة “خلفة سليمان الشيخ” امرأة خمسينية تحمل في ملامحها خطوط الزمن، وفي يديها خيوط الأمل، حكاية مختلفة، لامرأة نسجت من الإبرة والخيط قصة صمود امتدت لأكثر من ربع قرن.
وحين صادفناها وهي تقف في الدور لتعبئة مازوت التدفئة، كان المشهد عادياً للوهلة الأولى: امرأة تنتظر مثل باقي الأهالي. لكن؛ خلف تلك الوقفة تختبئ قصة طويلة، قصة امرأة جعلت من بيتها ورشة صغيرة، ومن خيوطها مصدر رزق واعتزاز، ومن عملها جسراً يربط نساء الحي ببعضهن. وقصتها تكشف كيف تحولت غرفة صغيرة في بيتها إلى مركز إبداع، وكيف أصبحت الخياطة لها أكثر من مهنة، بل لغة حياة، ووسيلة للتواصل الاجتماعي، وذاكرة جماعية تحفظها نساء المنطقة.
بداية رحلتها مع الخياطة
خلفة الشيخ، امرأة تبلغ من العمر خمسين عاماً، بدأت رحلتها مع الخياطة منذ خمسة وعشرين عاماً. في البداية، لم يكن الأمر أكثر من محاولة لتأمين لقمة العيش، لكن مع مرور الوقت، تحولت تلك المحاولة مسيرة حياة. تعلمت “خلفة” أسرار الخياطة تدريجياً، حتى أصبحت قادرة على خياطة الأثواب والعباءات، وإضافة لمسات التطريز التي تمنح القطعة جمالاً خاصاً.
وفي تلك السنوات، لم تكن الخياطة مجرد عمل، بل كانت وسيلة للتعبير عن الذات. كل غرزة تحمل قصة، وكل قطعة قماش تتحول بين يديها لوحة فنية. ومع تراكم الخبرة، أصبحت خلفة مقصداً للنساء في الحي، اللواتي يجدن عندها ما لا توفره محلات الخياطة الكبيرة: الدقة، والاهتمام، واللمسة الشخصية التي تجعل كل قطعة فريدة.
وفي منزلها البسيط في قرية الرحبي، خصصت خلفة غرفة صغيرة لتكون ورشة عمل. هناك، تتناثر البكرات الملونة، وأقمشة متنوعة، وأدوات التطريز التي ترافقها يومياً. ماكينة الخياطة تحتل زاوية الغرفة، بينما الطاولة الخشبية القديمة تحمل أدواتها، وكأنها شاهد على سنوات طويلة من العمل.
موهبة ممزوجة بالحب والحكايات
وبيت خلفة أصبح مقصداً للنساء من الحي، ليس فقط من أجل الخياطة، بل أيضاً للحديث معها عن أنواع التطريز وأساليبه. خلفة تحب أن تشرح لهن الفروق بين التطريز اليدوي والآلي، وأنواع الغرز والزخارف، التي يمكن أن تزين العباءات والأثواب. هي معلمة وصديقة، تجمع بينهن بخيوط من ودّ وحكايات، فتمتزج أصوات الإبر والخيوط مع ضحكات النساء وأحاديثهن اليومية.
وخلال حديثها لصحيفتنا “روناهي“، قالت خلفة: “بين التطريز اليدوي الذي يحمل روح الإنسان، والتطريز الآلي الذي يفتقد تلك الروح. أنا أومن أنّ الخياطة اليدوية تحمل قيمة خاصة، لأنها تعكس شخصية الخياطة، وتجعل كل قطعة فريدة لا تشبه الأخرى”.
بفضل عملها، أصبحت خلفة جزءاً لا يتجزأ من حياة نساء المنطقة: “أنا لست خياطة، بل صديقة ومستشارة، أجمعهن في جلسات مليئة بالحديث والضحك”. هي رمز للثقة والمهارة، وصوت يروي أنّ الإبداع يمكن أن يولد من أبسط البيوت.
إصرار المرأة الريفية
وقصتها تعكس صورة المرأة الريفية التي لم تستسلم للظروف، بل صنعت من بيتها ورشة حياة، ومن خيوطها مصدر رزق واعتزاز. هي مثال حي على أن الإرادة قادرة على تحويل غرفة صغيرة إلى مركز يجمع نساء الحي، وأن الفن يمكن أن يكون وسيلة للتواصل الاجتماعي، ولحفظ الذاكرة الجماعية.
وقصة خلفة الشيخ ليست مجرد حكاية عن خياطة نسائية، بل شهادة على قدرة المرأة الريفية على تحويل التحديات إلى فرص، وعلى جعل الخيوط الملونة جسراً بين الماضي والحاضر. هي مثال حي على إن الإبداع يمكن أن يولد من البساطة، وإن الإرادة قادرة على تحويل غرفة صغيرة إلى مركز يجمع نساء الحي.
وفي النهاية، تبقى خلفة رمزاً للمرأة العاملة في ريف الرقة، التي تحمل على كتفيها عبء الحياة، وتزينها في الوقت ذاته بخيوط ملونة من الصبر والإبداع. قصتها ليست مجرد حكاية شخصية، بل شهادة على قوة النساء في مواجهة التحديات وصناعة الأمل.
No Result
View All Result