No Result
View All Result
أكرم بركات (صحفي)
لم يكن الهجوم الذي استهدف جنوداً أمريكيين في البادية السورية يوم 13 كانون الأول 2025 حادثةً أمنية عابرة أو معزولة عن السياق العام، بل شكّل مؤشراً بالغ الدلالة على طبيعة التوازنات الهشة والصراعات الداخلية التي تعيشها الحكومة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع (الجولاني)، فالعملية جاءت في لحظة حساسة تتقاطع فيها محاولات الشرع لكسب شرعية دولية مع تصاعد التوتر بين هيئة تحرير الشام ومرتزقة داعش، الذي يرى في هذه التحولات تهديداً مباشراً لوجوده ونفوذه.
الهجوم، في جوهره، يعكس فشل التفاهمات غير المعلنة التي سعى الشرع إلى بنائها مع واشنطن، ويكشف في الوقت ذاته عمق الانقسام البنيوي داخل مؤسسات حكومته، ولا سيما الأجهزة الأمنية والعسكرية.
الفرقة 74: التموضع الجديد والوظيفة الملتبسة
بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، برزت الفرقة الرابعة والسبعين (فرقة 74)، التابعة لما يُعرف بـ”وزارة الدفاع في الجيش السوري الجديد”، كإحدى أكثر الوحدات إثارةً للجدل. هذه الفرقة، ذات الجذور التنظيمية المرتبطة بهيئة تحرير الشام، تضم آلاف العناصر، يشكّل المسلحون الأجانب ما يقارب 60% منهم، من جنسيات متعددة تشمل الشيشان والقوقاز والتركمان، إلى جانب عناصر يُشار إليهم بأسماء حركية مثل “إيغور”
يتمركز مقرها الرئيسي في قرية دير شِمَيل شمال غربي حماة، حيث تشكّل قاعدة لوجستية وتدريبية أساسية، بينما يتوزع مركزها الثاني في ريف مصياف بين حماة وحمص، وهي منطقة أشارت تقارير بحثية – منها ما نُشر على موقع “ليكولين” – إلى أنها تشهد اجتماعات لمتزعمي داعش من أصول أردنية.
هذه البنية المعقدة حوّلت الفرقة 74 إلى نقطة التقاء بين مشروع الشرع السياسي ومحاولات إعادة توظيف داعش كأداة ميدانية، سواء عبر الاحتواء أو الاختراق المتبادل. الأخطر في هذا السياق أن المعطيات المتداولة تشير إلى أن منفذ هجوم البادية هو عنصر منضوي ضمن قوى الأمن الداخلي التابعة لحكومة الشرع نفسها وهذا ما أكده المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا، وهو ما يشكّل دليلاً واضحاً على مستوى التآكل والانحلال داخل هذه التشكيلات، وعلى عمق الاختراق الداعشي لها.
زيارة واشنطن.. شرعية مشروطة وتصعيد مضاد
شكّلت زيارة أحمد الشرع إلى الولايات المتحدة في أواخر عام 2025 نقطة تحوّل مفصلية. ففي تلك الزيارة، أعلن عن اتفاق يقضي بتنفيذ “عمليات مشتركة ضد داعش”، في محاولة لتقديم حكومته كشريكٍ أمني موثوق للتحالف الدولي. غير أن هذا الإعلان لم يُقرأ داخل أوساط داعش كتهديدٍ فحسب، بل اعتُبر ضوءاً أخضر لتصفيته أو احتوائه بالقوة.
ردّ فعل داعش كان سريعاً؛ إذ سعت قياداته إلى فتح قنوات تفاهم عاجلة مع هيئة تحرير الشام، في محاولة لتفادي التحول إلى هدف مباشر للضربات الدولية، أو في الحد الأدنى، لإعادة رسم قواعد الاشتباك معها.
هجوم البادية: رسالة مزدوجة
في هذا السياق، جاء هجوم البادية السوريّة ليحمل رسالتين واضحتين:
أولاً: رسالة من داعش مفادها أنه لا يزال قادراً على توجيه ضربات مؤلمة للقوات الأمريكية، رغم كل الضغوط الأمنية والعسكرية المفروضة عليه.
ثانياً: رسالة سياسية غير مباشرة تكشف الانقسام داخل حكومة الشرع نفسها، حيث تشير الوقائع إلى أن بعض الأجهزة الأمنية المرتبطة بالجناح المتشدد غضّت الطرف عن تحركات عناصر داعش، أو سمحت بمرورها عملياً، في رسالة تحذير إلى واشنطن بأن الرهان على الشرع كشريكٍ مستقر محفوف بالمخاطر.
يتجلّى هذا الانقسام بوضوح داخل بنية الحكومة الانتقالية:
الجناح البراغماتي: يقوده أحمد الشرع، ويسعى إلى تثبيت شرعية الحكومة عبر الانفتاح على الولايات المتحدة والتحالف الدولي، وتقديم نفسه كقوة قادرة على ضبط الأمن ومحاربة الإرهاب.
الجناح المتشدد: يرفض أي شكل من أشكال التعاون مع الغرب، ويصرُّ على الإبقاء على العلاقة مع داعش – سواء بشكلٍ مباشر أو غير مباشر – باعتبارها أداة ميدانية تُستخدم ضد الخصوم المحليين، ولا سيما العلويين والدروز والكرد.
وفي هذا الإطار، اكتسبت تصريحات باحثين ظهروا على قنوات إعلامية قريبة من الحكومة الانتقالية أهمية خاصة، إذ أقرَّ أحدهم بأن عدداً كبيراً من عناصر ما يُسمّى “الأمن الداخلي” في دير الزور هم في الأصل من متزعمي وعناصر داعش، ما يعكس حجم الاختراق التنظيمي داخل مؤسسات حكومة الشرع.
أزمة بنيوية ورسالة إلى واشنطن
النتيجة التي تفرض نفسها بوضوح هي أن حكومة أحمد الشرع عاجزة حتى الآن عن ضبط أجهزتها الأمنية والعسكرية، ولا سيما تلك التي تضم عناصر أجنبية أو مخترقة من مرتزقة داعش. ويأتي هجوم البادية ليذكّر بأن أي تعاون دولي مع الشرع سيظل هشّاً وغير مستقر ما دام هذا الانقسام البنيوي قائماً.
حادثة البادية السوريّة في 13 كانون الأول 2025 ليست مجرد هجوم عسكري، بل هي انعكاس مباشر لصراع داخلي عميق داخل حكومة الشرع، بين مشروع سياسي يسعى إلى للسيطرة على مقاليد الحكومة ونيل شرعية دولية، وجناح متشدد يصرّ على إبقاء داعش كأداة نفوذ. ومع انكشاف الاختراق الداعشي داخل أجهزة الأمن الداخلي، يتضح أن الأزمة لم تعد سياسية فقط، بل باتت تهديداً وجودياً للحكومة الانتقالية نفسها، ورسالة تحذير واضحة إلى واشنطن من مخاطر التعويل عليها.
No Result
View All Result