No Result
View All Result
محمد عيسى
اختلف الزمان والفاصل نحو عقدٍ من الزمنِ، كما اختلف المكان من مدينة كرديّة على الحدود هاجمتها الرايات السوداء، إلى موقع سد هو بوابةِ جغرافيا كبيرة ومصدر الحياة لملايين السوريين، استهدفه المرتزقة، وفي كلا الموقعين كان هدفُ العدوانِ اغتيال الحياةِ، وتدمير البنيان، وبذلك كانت المقاومة كسراً للعدوان وحفظاً للحياةِ، فالفرات الذي طالما كان شريان الحياة في شمال وشرق سوريا، والسدود عليه مضخات تدفع بإكسير الحياة إلى أوصاله، فكان الدم المسفوح على السد ثمن حفظ حياة الملايين.
الشرارة الأولى التي كسرت إرهاب داعش
في يوم الثالث عشر من أيلول 2014، حين بدأت مرتزقة داعش تعبر الحدود الشرقيّة المتاخمة لكوباني، أدرك سكان المدينة أنّ معركة غير مسبوقة تقترب، وأنّ تاريخ المنطقة على وشك أن يُعاد رسمه بالنار والدم. كانت المجموعات المتطرفة تمتلك حينها أسلحة ثقيلة و60 عربة مصفّحة استولت عليها من الموصل والرقة ودير الزور، بينما لم يكن لدى وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة سوى أسلحة متوسطة وقناصات وخبرات قتال اكتسبتها خلال المواجهات الأولى في الجزيرة وعفرين.
في الأيام الأولى، اجتاح داعش أكثر من 350 قرية حول كوباني، وارتكب مجازر بحق المدنيين، ومع بداية تشرين الأول 2014، كان المرتزقة قد اقتربت من مركز المدينة بعمقٍ لم يتجاوز 400 متر فقط، بينما هجر أكثر من 200 ألف شخص نحو الحدود التركيّة تحت الرصاص الذي كان يتساقط من المرتفعات الجنوبيّة.
لكن ما بدا انهياراً وشيكاً تحوّل ملحمة تاريخيّة ستغيّر مسار الحرب كلها. فقد قاتلت وحدات YPG وYPJ في شوارع محروقة، وداخل أنقاض الأبنية، وفي محاور ضيقة لا تتسع إلا لقدمين وقرار واحد: “لن تسقط المدينة”. كانت نوروز أحمد، وآرين ميركان، وروجهات، وبيريتان رموزاً لجيل كامل من النساء اللواتي حوّلن الحربَ إلى درسٍ أخلاقيّ عالميّ في معنى المقاومة.
وفي 27 تشرين الأول 2014، أعلن التحالف الدوليّ بدء دعمه الجويّ الواسع للمقاتلين، فتم تنفيذ أكثر من 700 غارة خلال 90 يوماً، دمّرت خطوط داعش ونقاط تمركزه وعتاده الثقيل. ومع حلول 26 كانون الثاني 2015، رُفع العلم فوق التلّة الاستراتيجيّة “مسّتك” في الجهة الشرقيّة، وتم الإعلان عن تحرير المدينة بالكامل بعد 134 يوماً من القتال الضاري.
لم يكن تحرير كوباني حدثاً عسكريّاً عادياً؛ بل لحظة كسر فيها الكرد، ولأول مرة منذ ظهور داعش، هيبة المرتزقة الذين كانوا يسيطرون على ثلاثة أرباع سوريا والعراق.
الطريق إلى بناء قوة جديدة
بعد سنوات من الانتصارات التاريخيّة التي بدأت من كوباني، امتدت تجربة قوات سوريا الديمقراطيّة لتصبح نموذجاً لمقاومة مجتمعيّة شاملة، مدعومة بإرادة شعوب شمال وشرق سوريا. بين 2015 و2019، وبالرغم من التفجيرات والمجازر، تمكنت قسد من تأسيس بنية عسكريّة ومدنيّة متكاملة، ارتفع فيها عدد المقاتلين من 12 ألفاً إلى أكثر من 70 ألف مقاتل ومقاتلة، فيما انخرطت عشرات العشائر العربيّة بعد تحرير منبج في آب 2016، لتشكّلَ مع قسد تحالفاً استراتيجيّاً للدفاع عن المدن والريف، حيث استشهد خلالها قادة بارزون.
ومع تحرير الرقة في 2017 بعد 166 يوماً من المقاومة المدعومة بأكثر من 1550 غارة جويّة، وتحرير آخر معاقل داعش في الباغوز في آذار عام 2019، أصبح واضحاً أنّ النصر العسكريّ لا يقتصر على السلاح، بل على قدرةِ المجتمع نفسه على الدفاع عن حياته وأرضه، ما رسّخ فكرة “الدفاع المجتمعيّ” التي ستتجسد لاحقاً في سد تشرين، الذي أصبح يُعرف باسم سد الشهداء.
خلال سنواتٍ من الاحتلال التركيّ لمناطق جرابلس والباب وعفرين وسري كانيه وكري سبي، بدأت تحديات جديدة تحاكي تلك المواجهات السابقة، ولكن بأدواتٍ أكثر تطوراً. أنقرة لم تعد تعتمد على القوة البريّة وحدها، بل دمجت القصفَ الجويّ والمسيّرات والاستهداف المتواصل للبنى التحتيّة، في محاولة لإفراغ الشمال السوريّ من أهله وفرض السيطرة على مصادر المياه والكهرباء. هنا، وصل هذا الصراع إلى سد تشرين في بداية كانون الأول 2024، حيث أصبحت المنشأة المائيّة الحيويّة في قلب المعركة. فكانت الطائرات التركيّة تحلق يوميّاً فوق النهر والسد، وتنفذ بين 8 ـ 12 غارة مركّزة على محيط السد، محطات الكهرباء، وخطوط التغذية المائيّة التي تمدّ منبج والطبقة والقرى في ريفيهما.
الهدف الاستراتيجيّ والإنسانيّ
ومنذ كانون الأول وحتى نيسان، بدأت مرحلة جديدة من التصعيد العنيف بغاراتٍ جويّةٍ؛ استخدمت فيها الطائرات الحربيّة والمسيّرة، بالتوازي مع قصفٍ مدفعيّ وصاروخيّ دقيقٍ، طال بشكل مباشر محيط السد وجسر قره قوزاق، وحتى المناطق السكنيّة القريبة. الاستهداف لم يكن عرضيّاً، بل ممنهجاً ومدروساً، وركّز بشكلٍ واضحٍ على ضرب مقومات الحياة اليوميّة، وأبدى فيها مقاتلو قوات سوريا الديمقراطية بسالة لا مثيل لها، ووثّقت المصادر الميدانيّة استشهادَ أكثر من مائة مدنيّ، غالبيتهم من الأطفال والنساء، فيما أصيب العشرات بجروح بعضها خطير. ومن بين الشهداء صحفيون ومسعفون وقادة محليون، في استهداف واضح لمن يحمل الكاميرا أو الضماد أو الصوت الحر، ومنهم الإعلاميان جيهان بلكين وناظم داشتان أثناء تغطيتهما للحظات المقاومة وإظهارها للرأي العام؛ ما يؤكّد أنَّ الاحتلال يسعى لإخمادِ كلّ روايةٍ حقيقيّةٍ، وإسكات كلّ من يحاول الدفاع عن الحق والكرامة والمنشآت المدنيّة، التي ما زالت تقاوم على الرغم من كل الدمار.
لم تقتصر الجرائم على القصف فحسب، بل تجاوزتها إلى القتلِ العمد والخطف والتعذيب الممنهج، الذي ارتكبته المجموعات المرتزقة التابعة للاحتلال التركيّ، خصوصاً بعد سيطرتها على مدينة منبج بعد سقوط النظام السوريّ السابق.
وكان من بين أبرز الجرائم التي ارتكبت خلال هذه الفترة مجزرة قرية “المستريحة” بريف عين عيسى، والتي استشهد على إثرها ثلاثة عشر مدنيّاً معظمهم من النساء والأطفال، ومجزرة قرية “برخ بوطان” التي استشهد فيها عشرة مدنيين من عائلة واحدة، غالبيتهم أطفال. كما ارتُكبت مجازر أخرى في ريف زركان ومنبج، دون أن تحظى بتغطية إعلاميّة كافية، وسط صمتٍ دوليّ مريب، وكأنّ أرواح المدنيين في تلك المناطق لا تساوي شيئاً في ميزانِ العدالة الدوليّة.
مقاومة يشهدُ لها التاريخ
كان الثامن من كانون الثاني 2025 بداية مرحلة جديدة من المقاومة الشعبيّة في شمال وشرق سوريا. بعد نحو شهر من القصف المستمر على سد تشرين ومحيطه، اتخذ المدنيون قرارهم: لا بدَّ من الدفاع عن الحياة، عن الماء، عن التراب. ومن هذا القرار، انطلقت أولى قوافل المقاومة المدنيّة، لتصلَ إلى موقع السد في مشهدٍ لا يخلو من الشجاعة والتحدّي. رجال ونساء، شيوخ وشبّان، وحتى الأطفال، حملوا معهم ما تيسّر من الزاد والغطاء، لكنهم حملوا قبل كلّ شيء قلوباً لا تعرف التراجع. عندها بدأت فعاليّة “المناوبة على السد”؛ فعلٌ جماعيَ سرعان ما تحوّل إلى رمزٍ للصمودِ والمجابهة.
ومع مرور الأيام، لم تهدأ الطائرات، ولم تتوقفِ الصواريخ، إلا أنّ الأهالي كانوا يعودون في كلّ مرة، أكثر عدداً وأشدَّ عزيمةً. لم تكن القضية مجردَ دفاعٍ عن منشأة هندسيّة حيويّةٍ، بل كانت معركةً من أجل الكرامة والوجود. وأمام مشهدِ الخرابِ، كان هناك صوتٌ واحد يتردد في محيط السد: “نحميه بأجسادنا إن لزم الأمر”. السد تحوّل إلى جبهةِ تماسٍ، لا تفصل بين الضفتين فقط، بل بين الحياةِ والموتِ، بين الإيمان بالعدالة وعقيدةِ الفناءِ.
خلال الأشهر الأربعة التالية، تعاقبت مناسباتٌ وطنيّةٌ ودينيّةٌ على وجود المناوبين: من 15 شباط، إلى الثامن من آذار، ثم 15 آذار، فعيد نوروز، ومروراً بأيام شهر رمضان المبارك… وفي كلّ يومٍ منها، كان لهيبُ القصف يلتقي بحرارةِ الإيمان. لم تكن المناسبة تُحتفل بالشكلِ التقليديّ، بل كانت تُعاش بالدم والصبر، على ترابٍ يهتز تحت القذائف، وسماءٍ لا تتوقف عن إرسال الطائرات.
ورغم أنّ الحضور في موقع السد كان سلميّاً ومدنيّاً بامتياز، لكن ذلك لم يشفع لوقفِ العدوان. ففي الثامن من كانون الثاني وهو اليوم الذي بدأت فيه المناوبة، قامت طائرات الاحتلال التركيّ بقصفِ القافلة الأولى، لترتقي أرواح سبعة من المدنيين، كان من بينهم زوزان حمو، عضوة تجمع نساء زنوبيا، إلى جانب كرم أحمد الشهاب الحمد، آزاد فرحان محمد حسان، مصطفى عبدي، عثمان إبراهيم، وعلي عباس شاشو.
ولم تلبث أيام قليلة حتى جدّدت آلة الحربِ التركيّة استهدافها في 15 كانون الثاني، وارتقى المسعف عمر حسن شهيداً، وهو الذي لم يكن يحمل سلاحاً سوى حقيبة الإسعافات. واستشهد إلى جانبه الزوجان أدهم مصطفى علي وهيزا محمد، إضافة إلى عثمان إبراهيم للمرة الثانية في قائمة الشهداء، والطالبة الجامعية رونيز محمد علي، التي كانت تحلم بإنهاء دراستها في كلية الهندسة.
وفي 16 كانون الثاني، أصاب القصف سيارة مدنيّة كانت متجهة نحو السد، ليستشهد فيها محمد قاسمو، تاركاً خلفه ثلاثة أطفال. وفي 17 كانون الثاني، تجدد القصف على تجمع آخر، ما أسفر عن استشهاد المسعف ماهر جعفر محميد، ومحمد حسو، أحد المدنيين الذين تطوعوا في حملات الإغاثة.
ثم جاءت مجزرة 18 كانون الثاني، والتي وُصفت بأنّها الأعنف خلال شهر كانون الثاني، واستُشهد فيها ستة من المناوبين، من بينهم أكرم شيخموس حسين رخو، والرياضي المعروف كيفو عثمان، والرئيسة المشتركة لمكتب حزب الاتحاد الديمقراطيّ في مدينة قامشلو، منيجة حيدر، إضافة إلى عضوي مجلس المدينة مظفر رمضان محمد، وعبد القادر إبراهيم، وأخيراً الفنان المسرحيّ الكردستانيّ جمعة إبراهيم خليل المعروف بلقب “بافي طيار”، الذي وقف على خشبة المسرح مدافعاً عن قضايا شعبه، ليستشهد وهو يدافع عنه في الميدان.
في 21 كانون الثاني، استشهدت حزنة عبدي، التي كانت تساهم في توزيع الطعام على المناوبين، إلى جانب محي الدين حسين عمر. أما في 22 كانون الثاني، فقد استشهد محمد شفيق إسماعيل، وهو مزارع بسيط كان يرى في حماية السد حماية لأرضه ومحاصيله.
ومع تصاعد وتيرة الاحتجاجات الشعبيّة، كان الرد التركيّ دمويّاً كعادته، ففي 25 كانون الثاني، ارتقى الشاب محمد خليل حمو شهيداً بقصفٍ مباشر استهدف جموع المحتجين. ولم تمضِ سوى أربع وعشرين ساعة حتى هاجمت طائرة مسيّرة تجمعاً مدنيّاً في 26 كانون الثاني، ما أسفر عن إصابة أكثر من 34 شخصاً بجروح متفاوتة، بينهم سبعة صحفيين، والرئيسة المشتركة لهيئة التربية والتعليم في إقليم شمال وشرق سوريا، سميرة حج علي، إلى جانب نائبة رئاسة المجلس التنفيذيّ لمقاطعة الجزيرة، همرين علي.
وفي 15 شباط، طالت يد الغدر مرة أخرى أحد أبرز الأصوات الإعلاميّة في المنطقة، حين استشهد الصحفي عكيد روج، الذي كان يعمل على توثيق المقاومة وتسجيل شهادات الأهالي بالصوت والصورة، ليرحل وهو يؤدي واجبه في نقل الحقيقة للعالم.
ثم جاء شهر آذار، وفيه اجتمع شهر رمضان بمناسبة عيد نوروز، واشتدت فيه المناوبة وتوسّع نطاقها، وتحوّل السد إلى مكانٍ تزامنت فيه الأعياد مع العزاء، واقترن الإيمان بالحرية مع صلابة التضحية. ورغم تكثيف القصف، ظلّ الأهالي يبيتون هناك، مرددين الأناشيد الوطنيّة في الليالي، ومجددين قسم الحماية في النهار.
وفي نيسان، ومع دخول الشهر الرابع، كان السد لا يزال محاطاً بالأجساد الحية، والطائرات لا تزال ترقب من السماء بعينِ الغدر. ومع ذلك، بقيت أصوات النساء في الصفوفِ الأماميّة، وكانت الأنفاس تتلاحق على مقربة من الموت.
هكذا مرّت أربعة أشهر كاملة من المقاومة، والمكابرة على الألم والفقد، ولكن أيضاً بالإصرار والعزة. كان الزمن ثقيلاً، والسماء مشتعلة، لكن ما زال هناك من يصرخ “لن نغادر”، واستمرت المناوبة على السد، شعلةً لا تنطفئ في وجهِ العاصفة.
مقاومة واحدة وروح لا تُهزم
عشر سنوات فصلت مقاومة كوباني 2014 عن مقاومة سد الشهداء 2025. لكن؛ الزمن لم يفرّق بينهما، بل جمعهما في خط واحد من البطولة والدم والكرامة. في كوباني، وقف المقاتلون بصدورهم أمام دبابات داعش، كان الهدف إنقاذ مدينة. وفي سد الشهداء وقف المدنيون بأجسادهم مساندين للمقاتلين أمام المسيّرات التركية. وكان الهدف إنقاذ الحياة كلها.
لقد أثبت الكرد ومعهم كلّ شعوب شمال وشرق سوريا أنّ المقاومة ليست فعلاً عسكريّاً فقط، بل فعلَ وجودٍ. وأنّ حماية مدينة أو سد أو نهر ليست مهمة حفظ الجغرافيا فقط، بل مهمة أخلاقيّة وإنسانيّة تدخل في صميم معنى الحرية.
وهكذا، كتب التاريخ فصلين متشابكين: الأول بدأ من شوارع كوباني المحترقة وبيوتها المدمرة، والثاني يتواصل الآن عند بوابة سد الشهداء، وكلاهما يقول الشيء نفسه: “نحن هنا… ولن نغادر”.
No Result
View All Result