No Result
View All Result
الشدادي/ حسام الدخيل – في تحولٍ سياسي واقتصادي غير مسبوق، صوّت مجلس النواب الأمريكي بأغلبية 312 مقابل 112 على إلغاء قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين لعام 2019، ضمن مشروع قانون التفويض الدفاعي الوطني للسنة المالية 2026 (NDAA)، في خطوةٍ تُعدُّ الأكبر في إعادة تشكيل السياسة الأمريكية تجاه سوريا منذ أكثر من عقد، القرار الذي يُتوقع أن يُمرَّر بسهولة في مجلس الشيوخ الأسبوع المقبل قبل أن يوقّعه الرئيس دونالد ترامب، يمهّد لإنهاء أكثر من خمس سنوات من القيود الاقتصادية التي ساهمت في شلل قطاعات رئيسية داخل سوريا.
تفاصيل التصويت… ونهاية المعركة الأهم
جاء التصويت داخل مجلس النواب بعد أسابيع من السجالات التشريعية، لكنه مرّ بأريحية لافتة رغم اعتراض الجناح الجمهوري المحافظ. ويُعدّ هذا التصويت الأصعب والأكثر حساسية في المسار التشريعي للمشروع، وقد فتح الباب أمام دخول القرار مرحلة الحسم في مجلس الشيوخ، حيث يملك الجمهوريون أغلبية داعمة لموقف الإدارة الترامبية.

وبمجرد وصول المشروع إلى مكتب الرئيس، سيدخل إلغاء قانون قيصر حيّز التنفيذ فوراً، بما يشمل رفع العقوبات الثانوية وتخفيف القيود المصرفية والتجارية التي طالت معظم مفاصل الاقتصاد السوري.
التأثيرات المباشرة على الاقتصاد السوري
من المتوقع أن يترك القرار أثراً سريعاً، خصوصاً في مجالات التحويلات المالية والاستثمارات والمواد الأساسية. رفع القيود سيعيد جزءاً من النشاط للقطاع المصرفي، ويشجع شركات إقليمية ودولية على العودة تدريجياً إلى السوق السورية، خاصةً في قطاعات الطاقة والإعمار والاتصالات.
مع ذلك، يظل التعافي الشامل مرهوناً بعوامل داخلية: البنية التحتية المتداعية، ضعف الإنتاج المحلي، وسيطرة شبكات الاحتكار التي تشكل العائق الأكبر أمام انعكاس أي انفراج خارجي على حياة المواطنين.
المجتمع السوري.. بين الأمل والشك
القرار أثار ردود فعل واسعة داخل سوريا، عبّر خلالها المواطنون عن مشاعر مختلطة بين التفاؤل الحذر والخشية من أن تبقى الخطوات مجرد وعود سياسية.
وبهذا الصدد بين “أحمد السلوم”، لصحيفتنا “روناهي”: “رفع العقوبات خطوة كبيرة، لكننا نريد أن نرى أثراً حقيقياً على الأسعار والرواتب. تعبنا من الوعود، إذا ما صار ضبط للسوق، ما رح يتحسن شي”.
وبدورها عبرت المعلمة من ريف الحسكة “نهى الحسين”، عن أمل أكبر: “بصراحة، أول مرة بحس إنو في ضوء بنهاية النفق. أهم شي إنه ترجع المواد تتوفر وتنزل أسعار الدواء. الناس ما عاد فيها تتحمل”.
ومن جهته؛ ركز صاحب ورشة حدادة “معتز الخاير”، على قطاع الأعمال: “إذا صار في تعامل مصرفي طبيعي ورجع المستثمر يشتغل، نحنا الورش الصغيرة أول المستفيدين. بس بدها خطة حقيقية من الدولة، مو بس انتظار الخارج”.
واعتبر “عبد الله المحمود” وهو طالب جامعي، إن الطريق طويل حيث قال إن “قيصر كان عامل ضغط، بس مو كل الأزمة منه. لسا عنا فساد، وضع الكهرباء سيئ، وهجرة. الإلغاء خطوة مهمة، بس بدها إدارة وإصلاح”.
ماذا يعني القرار فعلياً للسوريين؟
تحسّن تدريجي في الأسعار بسبب انخفاض كلفة الاستيراد ونقل الأموال، فضلاً عن انتعاش محدود وسريع في بعض القطاعات مثل المواد الغذائية والأدوية، وتحسّن بطيء في الخدمات والبنية التحتية بسبب عمق التدهور الداخلي، بالإضافة إلى إمكانية عودة الاستثمارات التي كانت تتجنب السوق السوريّة خوفاً من العقوبات الثانوية.
ويمثل إلغاء قانون قيصر نقطة تحول كبرى قد تضع سوريا على بداية مسار اقتصادي أقل اختناقاً. لكن؛ انعكاس القرار على حياة السوريين سيعتمد على قدرة الداخل على استثمار الفرصة، ومواجهة شبكات الاحتكار، وإطلاق إصلاح اقتصادي حقيقي.
السوريون اليوم يقفون بين أمل مشروع وحذر منطقي. العقوبات انتهت نظرياً، لكن؛ اختناق الداخل لا يزول بالقرارات وحدها، بل بإدارة رشيدة تُعيد بناء الثقة وتفتح الطريق لتعافٍ فعلي.
النص القانوني.. رفع مشروط أم إلغاء كامل؟
رغم أن القانون ينص صراحة على: “إلغاء قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا لعام 2019″، إلا أن مشروع NDAA يتضمن آلية متابعة صارمة تُلزم الرئيس بتقديم تقرير كل 180 يوماً لمدة أربع سنوات، يحدد فيها ما إذا كانت الحكومة الانتقالية:
-
تقاتل الإرهاب بشراكة مع واشنطن.
-
تُقصي المسلحين الأجانب من مفاصل الدولة.
-
تضمن حقوق الأقليات والتمثيل العادل.
-
تمتنع عن الأعمال العسكرية الإقليمية غير المبررة.
-
تنفّذ اتفاق 10 آذار مع قوات سوريا الديمقراطية.
-
تكافح غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
-
تقاضي مرتكبي الانتهاكات بعد 2024.
-
تكبح إنتاج الكبتاغون.
وإذا فشلت دمشق مرتين متتاليتين في الالتزام بهذه البنود، يجيز القانون إعادة فرض عقوبات مستهدفة على أفراد، لا على السلع.
هذا يعني أن رفع قيصر ليس شيكاً مفتوحاً، بل مسار مراقبة مشروط، يتيح لواشنطن إعادة الضغط في أي لحظة.
ماذا تُريد واشنطن فعلاً؟
القرار يكشف أن الولايات المتحدة تسعى إلى:
-
إعادة صياغة ميزان النفوذ داخل سوريا دون الدخول في مواجهةٍ مباشرة.
-
فتح قنوات سياسية واقتصادية يمكن استخدامها لاحقاً كورقة تفاوض.
-
تحجيم الدور الإيراني عبر مقاربة ناعمة لا تستفزّ موسكو.
-
إعادة التموضع في شرق الفرات من خلال ربط الإلغاء بتنفيذ اتفاق 10 آذار.
-
إدارة الصراع لا إنهائه، ولكن ضمن شروط أكثر انسجاماً مع أولويات الأمن القومي الأمريكي.
وبذلك، فإن إلغاء قيصر ليس تصالحاً مع دمشق، ولا منحاً مجانياً، بل جزءاً من ترتيب سياسي جديد تحاول واشنطن قيادته قبل أن تستقر المنطقة على توازنات لا تناسبها.
في النهاية، رفع القانون خطوة كبيرة، لكنها لا تغير المشهد السوري ما لم تُحدث تحولات داخلية مقابلة. الاقتصاد يحتاج إصلاحاً، والمؤسسات تحتاج ترميماً، والمجتمع يحتاج استعادة ثقته. دون ذلك، سيظل القرار الأميركي مجرد انفراج فوق ركام.
No Result
View All Result