No Result
View All Result
محمد حسن علي
في مناطق الجزيرة كان العزاء لسنوات طويلة مناسبة للتضامن، يقف فيها الناس مع أهل الفقيد، يواسونهم ويخففون عنهم ألم الفقد، كانت البساطة عنوان هذه الأيام، وكانت الزيارة والكلمة الطيبة أهم من أي مظاهر أخرى.
لكن في السنوات الأخيرة تغيّر المشهد، حيث بدأت الولائم تكبر، وازدادت الذبائح، حتى صار بعض العزاء يُدار كأنه مناسبة للتفاخر وإظهار القدرة المادية، لا كمحطة للحزن والوقوف مع أهل المتوفى، ومع هذا التحوّل غير الصحي، صار العبء الأكبر يقع على كاهل الفقراء.
عائلات باتت تشعر بالعجز
الكثير من العائلات البسيطة باتت تشعر بالعجز إذا فقدت أحد أفرادها، فبينما يلتزم أهل المنطقة بعادات متوارثة في إعداد الولائم، لا يستطيع الفقير مجاراة هذا الواقع، فبدل أن ينشغل أهل الفقيد بتهدئة الألم ولمّ شمل الأقارب، يجدون أنفسهم أمام ضغط اجتماعي كبير: “كيف سيقدّمون ما يقدّمه الآخرون؟”
وللأسف، يصل الأمر في بعض الحالات إلى الاستدانة من أجل إقامة عزاء “لا يُقلّ عن عزاء غيرهم”، خوفاً من كلام الناس أو من نظرة المجتمع. وتحوّلت المظاهر إلى معيار، وصار البعض يتباهى بأن عزاءه الأكبر والأفخم، بينما الهدف الحقيقي من العزاء هو المواساة، لا المفاخرة، وهذا السلوك يجعل الفقراء هم الأكثر تضرراً، لأنهم يُحمّلون فوق طاقتهم، فقط لئلا يظهروا بأنهم أقل من غيرهم.
واليوم، أصبح ضرورياً إعادة التفكير بهذه العادات، فالرسالة الإنسانية للعزاء لا تحتاج ولائم ولا ذبائح، يكفي أن يقف الناس مع أهل الفقيد بكلمة صادقة، ووجود داعم، ومشاركة وجدانية حقيقية. فالموت ليس مناسبة للمظاهر، بل لتذكيرنا بقيم التواضع والتراحم، وبأن كلنا راحلون في يوم ما.
وإعادة هذه الروح البسيطة إلى مجالس العزاء في الجزيرة ليست خسارة، بل ربحاً اجتماعياً وأخلاقياً للجمع، خاصةً، للفقراء الذين يدفعون الثمن الأكبر من أجل عادة فقدت معناها.
No Result
View All Result