No Result
View All Result
دجوار أحمد آغا
ليلة الثامن من كانون الأول 2024؛ شهدت هروب بشار الأسد، وانهيار نظامه القمعي الذي استمر لأكثر من 24 عاماً. بعد هذه الليلة؛ تشكّل واقعاً سياسياً جديداً، حيث شهدت سوريا انفلات أمني غير مسبوق وموجة انتقام تصاعدت في ظل هشاشة سلطة الدولة وغياب المؤسسات الأمنية والعسكرية. هذا الفراغ؛ أعاد إنتاج مناخ طائفي خطير أشعلته حادثة قتل ومن ثم توسعت إلى اشتباكاتٍ وهجماتٍ أدت إلى تدمير وحرق وحصول إصابات بين الأهالي ومن ثم امتدت إلى مناطق أخرى وسرعان ما أصبحت مثل النار التي تسري في الهشيم. 
أحداث حمص وهجوم عشيرة بني خالد على العلويين
انطلقت الشرارة من حادثة العثور على جثتي زوج وزوجة من عشيرة بني خالد في بلدة “زيدال” جنوب حمص ليلة 23 تشرين الثاني 2025 وبحسب تقارير عديدة أفادت بأن جثة الزوجة كانت محترقة مع وجود عبارات طائفية مكتوبة في مسرح الجريمة، هذا الأمر أدى الى تنفيذ هجوماً انتقامياً من جانب عناصر مسلحة من عشيرة بني خالد على عدة أحياء ذات غالبية علوية في مدينة حمص تضمن حرق محلات وسيارات وإطلاق نار عشوائي وتدمير ممتلكات المواطنين وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان فقد سقط في هذه الهجمات ما لا يقل عن تسعة مواطنين علويين قتلى بالإضافة الى العشرات من الجرحة والمصابين. الهجوم أدى الى خلق نوع من الخوف والذعر لدى قاطني الأحياء العلوية في حمص في ظل غياب السلطة وأجهزتها الأمنية أو حضورها والاكتفاء بالمشاهدة وعدم ردع المعتدين.
خروج العلويين في مدن الساحل.. اعتصامات سلمية ومطالبات بالفيدرالية
أحداث حمص، دفعت بأبناء الطائفة العلوية إلى الخروج في اعتصامات سلمية تلبيةً لنداء الشيخ غزال غزال خاصةً في المدن الرئيسية مثل اللاذقية، طرطوس، جبلة، مصياف، وغيرها احتجاجاً على العنف المتصاعد، عمليات الخطف المستمرة، جرائم القتل، التهميش، التنمر، وعمليات التهجير القسري الممنهج. خلال هذه الاعتصامات الجماهيرية السلمية تم رفع شعارات مثل اللامركزية السياسية والفيدرالية بالإضافة إلى الإفراج عن المعتقلين والمخطوفين وترديد شعارات مثل “الدم العلوي مانو رخيص”، هذه الشعارات جاءت في سياق محاولة لإيجاد صيغة سياسية تضمن حقوق العلويين وتحميهم من الانتهاكات. البعض من عناصر الأمن العام والمجموعات الأخرى المنضوية تحت سقف وزارة الدفاع في سلطة الأمر الواقع، قامت بمحاولات استفزاز المعتصمين ونشبت ملاسنات لفظية وفي بعض الأماكن تحولت إلى اشتباكات وإطلاق نار على المعتصمين كما حدث في دوار الزراعة باللاذقية ما أدى الى وقوع إصابات.
تصاعد الخطاب الطائفي.. تنمّر.. دعوات علنيّة للقتل واقتتال أخلاقي
يوم الجمعة؛ تم توجيه الأهالي للخروج في مظاهرات مؤيدة لسلطة الأمر الواقع وبتوجيه ودعوة واضحة وصريحة من رئيس الحكومة الانتقالية أحمد الشرع، وبالفعل في يوم الجمعة 25 تشرين الثاني، خرج العديد من الأهالي في مختلف المدن السوريّة ومن بينها مدن الساحل، حيث لم يتجاوز عدد من خرج العشرات بينما في بقية المدن وصلت إلى المئات، فقط في حمص وحماه خرج بضعة آلاف ليس من أجل تأييد سلطة الأمر الواقع بل من أجل الرد على المطالب المشروعة التي نادى بها أهل الساحل حول شكل الحكم “اللامركزية السياسية، والفيدرالية” واعتبروها تقسيم لسوريا! لكن ما يحز في النفس تلك الشعارات والهتافات البعيدة كل البعد عنّا نحن السوريين من تنمر وإهانة لبعضنا البعض مثل هتاف “إلي ما بيشارك أمو علوية” وكأن الأم العلوية تهمة أو شتيمة. والأقسى من ذلك، كانت الخطابات التي ألقاها البعض من رجال الدين من على المنابر والتحريض على العلويين والدروز والكرد وكأنهم ليسوا بسوريين وأن محاربتهم نوع من الجهاد! 
الحادثة الأخيرة في طرطوس.. محاولة ذبح سائق علوي
نتيجة طبيعية لمثل هذه التعبئة والتحشيد والتحريض ضد مكونات الشعب السوري وخاصةً الإخوة العلويين، أن نشهد جرائم بشعة مثل الحادثة التي جرت في مدينة طرطوس حي المحطة عندما ركب رجل في سيارة أجرة وسأل السائق الكبير في السن: هل أنت علوي؟ أجاب السائق نعم أنا علوي فقام بسحب سكين وحاول أن يذبح السائق وهو يصيح الله أكبر. ولولا تدخل العامة لكان قد ارتكب جريمة بشعة بحق شخص لا يعرفه ولا أذاه فقط لأنه علوي! ألهذه الدرجة وصلت بنا الأمور في القتل بمجرد أنه من طائفة أخرى؟ هل هكذا هي تعليمات ديننا الحنيف، وهل أوصانا الرسول الكريم محمد (ص) بأن نقوم بقتل الإنسان فقط لأنه ليس من طائفتنا؟
لماذا وصلت الأمور إلى هذا التداعي الطائفي؟
في الحقيقة هناك جملة من الأسباب التي أدت الى وصول الأمور الى هذا التداعي الطائفي المخيف. يمكننا أن نوجزها بما يلي:
ـ فراغ حكم وسيادة القانون بعد التغيير السياسي ما سمح لمليشيات وعصبيات قبلية استعادة “الشعور بالانتقام”.
ـ الانتقام الجماعي كما في حالة الإخوة العلويين، حيث تم ربطهم جميعاً على أنهم كانوا من اتباع النظام السابق وهم مسؤولون عن الجرائم التي ارتكبها ولا بد من معاقبتهم.
ـ استغلال حادثة مقتل زوجين من بني خالد في حمص كذريعةٍ لتصفية حسابات قبلية طائفية، علماً بأن التحقيقات كشفت مؤخراً أن من ارتكب الجريمة هو قريب للزوجة وليس من الطائفة العلوية.
ـ عدم وجود مؤسسات أمنية مختصة وبالتالي حدوث فراغ أمني سمح للمجموعات ومليشيات طائفية بتحقيق أجنداتها والانتقام.
ـ تعميم تسمية “فلول النظام البائد” على جميع العلويين حتى أولئك الذيم كانوا معارضين للنظام الأمر الذي خلق حالة من الخوف والرعب الجماعي وبالتالي ضرورة الدفاع عن النفس.
ـ وأخيراً غياب المحاسبة في إشارة واضحة إلى تورط النظام في العديد من هذه القضايا من خلال عدم محاسبة المعتدين على الرغم من وجود وثائق وأدلة واضحة وحتى اعترافات منهم أنفسهم.
واقع مؤلم لكنها مرحلة مصيرية
ما حدث ويحدث في سوريا اليوم، من حمص إلى الساحل، ومن السويداء إلى بيت جن، مروراً بمنبج وعفرين، وصولاً إلى حلب، الرقة، دير الزور والطبقة، ليس مجرد حوادث فردية أو حادث طارئ، بل عبارة عن مسلسل من الانقسام المجتمعي، وربما انتقام وخوف طائفي.
العلويون، الذين كان يُنظر إليهم في الماضي كجزءٍ من النظام الحاكم، بات يُنظر إليهم بشكلٍ عام على أنهم “فلول النظام” وطائفة بحد ذاتها يجب أن يتم معاقبتها جماعياً بغض النظر عن مواقف أفرادها. مطالب اللامركزية السياسية والفيدرالية التي رفعها ورددها المعتصمون العلويون مؤخراً تعكس خوف حقيقي متجذر لديهم من مجازر وإبادات جديدة بحقهم، بينما السلطة الجديدة تحت قيادة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، تبدو عاجزة أو مترددة في ضبط الأمور وفرض القانون وإجراء تحقيقاً فعلياً وشفافاً في الانتهاكات التي تجري يومياً، الأمر الذي يكرّس مناخ الإفلات من العقاب ويزيد من الإحساس بالعجز والذعر.
ما المطلوب من السلطة الحاكمة والمجتمع الدولي
ـ يجب على الحكومة الانتقالية أن تكون منفتحة على كافة مكونات الشعب السوري بعيداً عن سياسة التهميش والإقصاء والتخوين.
ـ فتح تحقيق شفاف ومستقل في أية جريمة تجري مع ضمان حماية الشهود.
ـ لا بد من نزع سلاح الميليشيات أياً كانت (عشائر، مجموعات غير منضبطة، تنظيمات مستقلة)، واستعادة سيطرة الأجهزة الأمنية النظيفة والخالية من عناصر التنظيمات الإرهابية ووضعها على نقاطٍ وحواجز متفرقة. الاستمرار في إطلاق مبادرات مصالحة محلية حقيقية بمرافقة دولية ومنظمات حقوقية تستهدف إعادة بناء الثقة بين كافة مكونات الشعب السوري.
ـ توثيق دقيق للحوادث من وسائل موثوقة وصحفيين مستقلين لقطع الطريق أمام الشائعات والتصعيد.
No Result
View All Result