قامشلو/ دعاء يوسف – مع بداية العام الدراسي 2024 ـ 2025 في مقاطعة الجزيرة، تبدو صورة الواقع التعليمي أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، فمن جهة تستقبل مدارس الإدارة الذاتية أعداداً متزايدة من الطلبة، ومن جهة أخرى يواجه النقص في البنية التحتية والكادر التدريسي والمواد التعليمية، وسط ظروف أمنية واقتصادية تضغط على العملية التربوية.
يشهد قطاع التربية والتعليم في مقاطعة الجزيرة هذا العام واحدة من أكثر المراحل تعقيداً منذ تأسيس هيئات الإدارة الذاتية، فمع بداية العام الدراسي، برزت مؤشرات واضحة على تضخم أعداد الطلاب، وتوسّع الفجوات في البنية التحتية، إضافة إلى نقص الكوادر التدريسية وتراجع القدرة على تلبية احتياجات المدارس من الكتب والمناهج والتجهيزات الأساسية.
وقد نقل مسؤولون تربويون ومدراء المدارس صورة دقيقة عن واقع العملية التعليمية، تُظهر حجم الضغوط التي تواجهها الهيئة وقدرتها المحدودة على الاستجابة مقارنة بحجم الطلب المتزايد.
ارتفاع في أعداد الطلاب
وحسب نائبة الرئاسة المشتركة لهيئة التربية والتعليم في مقاطعة الجزيرة “روها كجو” فقد شهد العام الحالي ارتفاعاً كبيراً في عدد الطلاب القادمين من مدارس النظام السابق، إذ التحق ما بين 70 إلى 80 ألف طالب وطالبة بمدارس الإدارة الذاتية، وهذه الزيادة لا تمثل فقط رقماً إضافيّاً، بل عبئاً مباشراً على قدرة المدارس على استيعاب الكم الجديد، خصوصاً في ظل محدودية المساحات الصفّية ونقص الكوادر.
هذا وقد كان العدد الكلي للطلاب المسجلين في المقاطعة يبلغ قرابة 250 ألف طالب وطالبة موزعين على 1070 مدرسة، ووفق الأرقام الرسمية، يعمل في هذه المدارس نحو 17 ألف معلم ومعلمة، وهي نسبة لا تكفي لتغطية الاختصاصات المطلوبة، ما ينعكس بشكل مباشر على جودة العملية التعليمية، ويخلق فجوات في المواد العلمية، واللغات والاختصاصات الدقيقة.
إذ أكدت روها، أن النقص في معلمي الاختصاص هو أحد أبرز التحديات التي تعاني منها الهيئة، مشيرةً، إلى أن نسبة الكادر التدريسي المتوفر لا تتجاوز 40 إلى 50% من الحاجة الفعلية، وتعمل الهيئة على إجراء مسابقات تعيين جديدة في محاولات لسدّ الشواغر وتأمين العدد الكافي من المعلمين المؤهلين.
المدارس بين الترميم والإغلاق
وعملت هيئة التربية على ترميم 22 مدرسة خلال العام الحالي في مقاطعة الجزيرة، إلا أن أكثر من 32 مدرسة لا تزال مغلقة في المقاطعة بسبب تحويلها مراكز لإيواء المهجرين، وهذا الواقع يضيف ضغطاً على المدارس المتوفرة، التي أصبحت مضطرة لاستيعاب أعداد أكبر من طاقتها الاستيعابية، ما أدى إلى ارتفاع واضح في الكثافة الصفّية.
ومن جهة أخرى، ما تزال العديد من المدارس تعاني من مشاكل في البنية التحتية، تشمل نقص التدفئة، وتراجع جاهزية دورات المياه، وعدم كفاية المقاعد والطاولات والسبورات، إن الهيئة تعمل على سدّ هذه الاحتياجات وفق الإمكانيات المتاحة، لكن حجم الطلب يفوق القدرة اللوجستية المتوفرة.
فيما تُعدّ أزمة الكتب إحدى أبرز نقاط الضعف في العملية التعليمية لهذا العام، فحسب “روها”، لقد بلغت نسبة توزيع الكتب هذا الموسم ما بين 80 و90%، إلا أن الزيادة الكبيرة في عدد الطلاب والطباعة المتأخرة تسببت في استمرار النقص في عدد من المدارس، فيما بينت الهيئة أنه تم الانتهاء من عملية الطباعة في 30 تشرين الثاني المنصرم من العام الجاري، وما زال توزيع الكتب جارياً على المدارس.
وأشارت نائبة الرئاسة المشتركة لهيئة التربية والتعليم في مقاطعة الجزيرة “روها كجو”، إلى أن عملية الطباعة تأخرت بسبب المطابع وحدوث تغييرات في بعض المناهج ما تتطلب إعادة إعداد وتدقيق قبل بدء الطباعة، وإن الكثافة الطلابية المتزايدة أدت إلى نقص في أعداد الكتب، وقد انعكس ذلك بشكل مباشر على الطلاب الذين اضطر بعضهم لاستخدام نسخ PDF أو الاعتماد على النسخ المشتركة بين الطلاب، وهو ما وصفه إداريون بأنه يؤثر بشكل سلبي على جودة التعليم والتحصيل الدراسي.
تزايد الضغط وضعف الإمكانات
وتقدم مدرسة “محمود أسعد” في قامشلو مثالاً لحجم الضغط الذي تتعرض له المدارس، إذ أكد الإداري في المدرسة “قلة فر عبدو“، إن المدرسة تضم 350 طالباً موزعين على 12 شعبة، تتراوح الكثافة في كل شعبة بين 25 و30 طالباً، وقد تصل في بعض الحالات إلى 38 طالبًا في الشعبة الواحدة، هذه الكثافة تشكل عائقاً أمام ضمان بيئة تعليمية مناسبة، ولكنه يرى أنها مقبولة أمام الكثافة الصفية في المدارس الأخرى وخاصة مدارس المرحلة الابتدائية.
أما على صعيد التجهيزات، فتفتقر مدرسة “محمود أسعد” لعدد من المدافئ، ويعاني بعضها من أعطال تحتاج إلى صيانة، إذ أشار “عبدو” إلى حاجة المدرسة لنحو 30 مقعداً إضافياً لتغطية الطلب المتزايد، إضافة إلى مشاكل في دورات المياه، والشواغر التدريسية مكتملة إلى حد ما. فالأزمة الكبرى في المدرسة كانت تأخر الكتب، خصوصا ًلطلاب الصف الثامن، حيث قال إداري مدرسة محمود الأسعد “قلة فر عبدو”: “لقد اضطر الطلاب والمعلمون للاعتماد على نسخ إلكترونية، ما أثّر على سيرورة التعليم بشكل واضح، في ظل افتقار بعض الأهالي للإمكانات التقنية اللازمة”.
وفي مدرسة “فرحان علي”، تحدثت إدارية المدرسة “روجين محمد” عن تضاعف عدد الطلاب هذا العام، إذ ارتفع العدد من 360 إلى أكثر من 800 طالب، ما دفع المدرسة للعمل بنظام الدوامين لإدارة الضغط، مشيرةً، إلى أن الضجة داخل الصفوف أصبحت سمة يومية نتيجة الاكتظاظ، إضافة إلى نقص الكتب في معظم الصفوف وتأخر تسليمها، ولا سيما في الصفين الثاني والخامس اللذين شهدا تغييرًا في المناهج.
وترى روجين، أن الوضع ليس إهمالاً وإنما انعكاس لضغط متزايد يفوق طاقة المدارس، مشيرةً، إلى النقص في التدفئة والتجهيزات، وإلى استمرار تسجيل الطلاب رغم مرور أكثر من ثلاثة أشهر على بدء العام الدراسي.
وأكدت، على أن المدرسة تستقبل أسبوعيًا طلاباً جدداً في المراحل الصفية كلها، ولا سيما الصف الأول، ما يزيد الضغط بشكل مستمر على المعلمات والكادر التدريسي.
قطاع صامد رغم التحديات
وتكشف الشهادات الرسمية والإدارية أن قطاع التعليم في مقاطعة الجزيرة يقف أمام عام دراسي مليء بالتحديات، يتصدرها الارتفاع الكبير في عدد الطلاب، ولا سيما القادمون من مدارس النظام، ونقص الكادر التدريسي، خصوصًا في الاختصاصات العلمية، بالإضافة إلى تأخر الكتب والمناهج، وتفاوت نسب وصولها بين المدارس، وضغط البنية التحتية والاكتظاظ الصفّي.
ومع ذلك، تواصل الهيئة تنفيذ سلسلة إجراءات لسدّ النواقص، من بينها التعيينات الجديدة، وتسيير دفعات إضافية من الطاولات والسبورات، وترميم المدارس الممكنة، وتؤكد أنها تسعى إلى ضمان استمرار العملية التعليمية رغم الظروف الصعبة التي تحيط بالقطاع.