No Result
View All Result
روديا عبدو
في ظل ما تمرّ به المجتمعات المحلية من تحولات اقتصادية واجتماعية، تبرز بعض الحِرَف كجسورٍ تربط الحاضر بالماضي، وتؤكد أن التراث ليس مجرد حكايات تُروى، بل قدرة عملية على الاستمرار، ومن بين هذه الحِرَف تأتي صناعة الحريرة والعقودة، التي ما تزال حاضرة بقوة في قامشلو وشمال وشرق سوريا، منتجاً شتوياً، ومصدر رزق واستقراراً للأسَر.
وتعود جذور هذه الصناعة إلى العشائر الأومرية ومتيني وجيرجمي التي عاشت على أراضي الجزيرة وامتلكت خبرة واسعة في زراعة العنب والجوز، وطرق حفظهما واستخدامهما غذائيًا.
ومع مرور الزمن، تحولت تلك الخبرة تقاليد منزلية متوارثة، حملتها نساء المنطقة من جيل إلى آخر، فأصبحت تباع في الأسواق الشعبية، وحاضرة في الموائد الشتوية.
طريقة صنع الحريرة والعقودة
فالحريرة والعقودة، ليست حلوى فقط، بل عملية دقيقة تبدأ من عصر العنب أو طهي دبسِه حتى يصبح مركزًا، ثم إضافة الطحين تدريجيًا لتشكيل خليط كثيف، وبعدها تُربط حبّات الجوز في خيوط طويلة أو تترتب على عيدان خشبية، وتُغمس في المزيج عدّة مرات حتى تتكوّن طبقات متينة حولها، تُعلّق هذه الخيوط لاحقًا في أماكن ذات تهوية جيدة لتجف، وبعد أسابيع، تُقطع وتُباع في صورة أصابع طرية ذات لون كهرماني دافئ.

وفي قامشلو هذه الهواية تحوّلت إلى نشاط اقتصادي منزلي قادر على تأمين دخل للعائلات، خاصةً للنساء دون الحاجة لرأس مال كبير، فوفرة المواد الأولية في المنطقة، من العنب والجوز أصبحت هذه المهنة مشروعًا واقعيًا وذا جدوى.
وبعيدًا عن قيمتها الاقتصادية، تمتلك الحريرة والعقودة جانبًا غذائيًا مهمًا، فالجوز غنيّ بالأحماض الدهنية المفيدة، وعلى رأسها أوميغا-3، التي تساعد على تقوية الذاكرة وتعزيز المناعة، أما عصير العنب أو دبسُه، فيوفر سكريات طبيعية سهلة الامتصاص، تمدّ الجسم بطاقة دافئة يحتاجها في الأيام الباردة، فضلًا عن معادن مثل الحديد والمغنيسيوم، لذلك، يصفها سكان المنطقة بأنها “فاكهة الشتاء”، لأنها تمنح الجسم قدرة على مقاومة التعب والبرد، وتُشكّل وجبة متكاملة مناسبة للأطفال والطلاب والعمال.
فاستمرار صناعة الحريرة والعقودة اليوم ليس حالة نوستالجيا عابرة، بل دليلاً على قوة التراث حين يتحول إلى مورد معيشة، ولم يكتف أبناء قامشلو وشمال وشرق سوريا بحفظ وصفة متوارثة،
بل استطاعوا تحويلها إلى مشروع اقتصادي صغير، يحفظ الكرامة ويوفر الدخل، ويثبت مرة أخرى أن ما تمنحه الأرض يصبح كنزًا حين تصونه الأيدي.
ففي زمنٍ تتبدل فيه أنماط العيش، تبقى أصابع الحريرة المعلقة على الحبال، والجوز الملفوف بعناية داخل طبقات العنب، شهادةً حية على أن التراث يمكن أن يبقى نابضًا، ما دام يجد من يواصل صنعه بحب وصبر وإيمان بأن المستقبل يمكن أن يولد من قلب الماضي.
No Result
View All Result