No Result
View All Result
د. طه علي أحمد
شهدت مدينة حِمْص صباح الأحد 23 تشرين الثاني 2025 حادثة جديدة من العنف الطائفي، إذ قُتِل رجلٌ وزوجته في بلدة زيدل، وترك الجناة خلفهم عبارات ذات طابع طائفي تشير بوضوح إلى محاولة تأجيج الحساسية المذهبية، وقد جاء ردُّ وزارة الداخلية سريعًا بفرض حظر تجوال وإرسال تعزيزات أمنية إلى مناطق جنوب المدينة، في خطوة تهدف إلى منع توسّع الأحداث أو توظيفها لإشعال فتنةً جديدة في مدينة تُعدّ من أكثر مدن سوريا تنوعًا طائفيًا.
لا ينفصل هذا الحادث عن إشكالية أوسع تتصل بأزمة الاندماج الوطني في سوريا، تعيشها البلاد خلال الفترة الانتقالية المعقدة التي أعقبت سقوط النظام السوري السابق في 8 كانون الأول 2024، ما يؤكد أن المشهد السوري الراهن لا يعاني فقط من إرث الحرب والانقسام الذي عاشته البلاد على مدار السنوات العشر الأخيرة، بل من غياب رؤية واضحة لدى السلطة الحالية لاحتواء التنوع الطائفي والإثني، وضمان انتقال ديمقراطي مستقر يُعيد بناء الثقة بين الشعوب.
فبعد شهور عديدة من أحداث الساحل (في آذار الماضي)، ورغم أحداث السويداء (في حزيران الماضي) وكلا الحالتين لم تتحقق بشأنهما محاكمة عادلة، تأتي أحداث حمص لتبرز مختبراً اجتماعياً آخر في سوريا؛ فهي منطقة تشهد مزيجاً من المسلمين السنة والعلويون والمسيحيون بمذاهبهم المختلفة، وقد عانت المدينة سنوات طويلة من الاستقطاب العنيف إبّان الحرب، ما يجعل أي حادثة، لو كانت جنائية في ظاهرها، لكن ما أسهل تحولها إلى أزمة طائفية واسعة، فما بالنا وقد شهدت الواقعة الأخيرة بالفعل إشارات طائفية -ظاهرياً على الأقل- في موقع الجريمة كما ذكرنا سلفاً.
بعبارةٍ أخرى، تكشف أحداث حمص أن الجراح التي يعاني منها النسيج الاجتماعي لم تلتئم بعد رغم توقف العمليات العدوانية، وأن الخطابات الطائفية لا تزال تعيش تحت السطح، بل إنها قابلة للاستثارة بأحداث صغيرة، فضلاً عن ذلك فقد خلق الاضطراب السياسي والأمني الذي تعيشه البلاد حالة هشاشة، تسمح لفاعلين محليين أو إقليميين باستغلال الحوادث لإرباك المرحلة الانتقالية.
السلطة الانتقالية مسؤوليات كبرى في لحظة حرجة
رغم المساعي الخارجية التي تبذلها الحكومة الانتقالية لترسيخ شرعيتها، إلا أن الخطاب العام للحكومة الانتقالية في دمشق لا يزال مثقلاً بعدد من الإشكاليات المزمنة مثل غياب رؤية واضحة للاندماج الوطني، حيث لم تُطرح حتى الآن مبادرة وطنية عميقة تعالج جوهر الانقسام السوري أو تضع تصورًا لمستقبل العلاقة بين الشعوب بمختلف قومياتهم وأديانهم، ورغم أهمية اتفاق العاشر من آذار بين رأس السلطة في الحكومة الانتقالية أحمد الشرع مع القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي إلا أن دعماً حقيقياً لم يتوفر حتى اللحظة لهذا الاتفاق الذي يعد أحد الفرص الذهبية لنقل البلاد لآفاق أوسع من الاستقرار السياسي والمجتمعي. بجانب ذلك، لا تزال البنى الأمنية القديمة في حالتها المزرية بلا إصلاح حقيقي حيث تعمل المؤسسات الأمنية بعقلية رد الفعل والقمع، لا بعقلية استباق النزاعات أو إدارتها بآليات عدالة انتقالية. كما أن كثيراً من الشعوب السورية لا تزال تشعر بأنها “خارج المشهد” رغم تغير النظام ما يعكس ضعف التمثيل الحقيقي للمكوّنات الاجتماعية. بعبارةٍ أخرى، فإن الحكومة الانتقالية في دمشق يتعين عليها أن تقف في موضع المسؤولية التاريخية خلال اللحظات الحرجة التي تمر بها البلاد بعقلية إبداعية بعيداً عن الأحادية السلطوية التي تميزت بها بداية من تشكيل الحكومة وصياغة الوثيقة الدستورية وصولًا إلى منطق “الأيدي المرتعشة” الذي تتبعه الحكومة الانتقالية في أحداث جسيمة مثل أحداث الساحل والسويداء وأخيراً حمص.
المقاربات المتطرفة في التعامل مع الحوادث المجتمعية
تاريخيًا، تعاملت الحكومة الانتقالية مع الأزمات الطائفية وفق مقاربات تقوم على التعميم والتجريم بدل التحليل الموضوعي، وإجراءات أمنية فقط بدل المسار الاجتماعي ـ القانوني، والتخوين والإقصاء لكل صوت مختلف، بالإضافة لاستغلال الحوادث لتعزيز السلطة بدل تهدئة المجتمع. ومع سقوط النظام، لم تتغير هذه المقاربات جذريًا، بل ورثتها السلطة الحالية جزئيًا، ما يكرّس ثقافة الانقسام لا ثقافة التسامح حيث يتعامل بعض الفاعلين مع الطوائف باعتبارها “كيانات متنافسة”، لا شركاء في الوطن. وفي هذا المناخ تنتشر الروايات التحريضية عبر وسائل التواصل التي تقودها حسابات محلية وجهات مؤدلجة تسهم في تعزيز السرديات الطائفية واستدعاء الماضي الدموي، الأمر الذي يسهم في إضعاف صوت الاعتدال حين تغيب الدولة وتغيب العدالة، ترتفع أصوات التطرف وتخفت الأصوات العقلانية.
أزمة الاندماج الوطني جذر المشكلة وليست نتيجتها
المشكلة إذن، وبشكلٍ مباشر، تكمن تجاوز أزمة الاندماج الوطني مجرد “خلاف سياسي”، إلى كونها أزمة مجذرة في بنية الدولة والمجتمع؛ إنها أزمة هوية وطنية ضعيفة تطغى عليها الهويات الطائفية والعشائرية، في الوقت الذي يغيب فيه المشروع الوطني الجامع الذي يجيب عن سؤال محوري هو: ما هي سوريا الجديدة؟، وفي هذا السياق من الطبيعي أن تغيب العدالة الانتقالية بما يجعل الماضي يحكم الحاضر، وصولاً إلى غياب الثقة بين السلطة والمجتمع بما يجعل أي حدث يتحول إلى مواجهة. ولذلك؛ فبدون حل أزمة الاندماج الوطني، تبقى كل التطورات السياسية سطحية وغير مستقرة.
ما العمل إذًا؟! أو بعبارة أخرى، ما الذي يجب فعله لمنع انزلاق سوريا إلى فوضى طائفية جديدة؟ هنا يتعين على السلطة القائمة، وبحكم موقعها ومسؤوليتها التاريخية أن تسرع في تبني ميثاق وطني للتماسك الاجتماعي بما يضمن ضمان الحقوق والحريات، وحماية التنوع الثقافي والديني، مع إعادة تعريف المواطنة كأساس للانتماء من خلال نهج تشاركي ديمقراطي. الميثاق المذكور لا يمكن تصوره بدون بناء منظومة عدالة انتقالية حقيقية تشمل لجان تحقيق مستقلة تضمن توثيق الانتهاكات، ومحاكمات شفافة تضمن تعويضا عادلًا للضحايا. كما أن ذلك يوجب – وبالتوازي – تبني إجراء إصلاح “حقيقي” للمؤسسات الأمنية على تمثيل عادل لكافة مكونات المجتمع وبشفافية تضمن الانضباط القانوني، مع وقف التحريض الإعلامي ومعاقبة مطلقي خطاب الكراهية عبر رقابة قانونية، وحملات توعية وطنية، ودعم الإعلام المهني المسؤول. بعبارةٍ أخرى، السوريين في حاجة ماسة لإدارة رشيدة للتنوع الطائفي الذي يبدأ بالاعتراف الرسمي بأن هذا التنوع ليس ضعفًا، بل قوة للدولة الحديثة.
بشكلٍ عام، فإن حادثة حمص تكشف أن سوريا الجديدة تقف أمام خيارين؛ إما بناء عقد وطني جديد يقوم على العدالة والمواطنة والمحاسبة، أو الانزلاق إلى دوامة جديدة من العنف الطائفي والفوضى السياسية. ولهذا فإن غياب المحاسبة، واستمرار المقاربات المتطرفة في إدارة الأزمات، إنما هو أخطر على مستقبل سوريا من أي تهديد خارجي. فبدون عدالة راسخة وإدارة رشيدة للتنوع، يبقى السلم الأهلي هشًا، وتظل اللحظة الانتقالية عرضة للاختطاف من قوى التطرف والفوضى.
أخيرًا، سوريا اليوم أمام فرصة نادرة للتأسيس لدولة تقوم على المواطنة لا الطائفة، وعلى القانون لا الانتقام، وعلى الانتماء الوطني لا الولاءات الضيقة، فهل اغتنمها السوريون والسلطة الجديدة… أم تُهدَر كما أُهدِرَت فرص كثيرة من قبل؟
No Result
View All Result