No Result
View All Result
محمد عيسى
منذ صباح الاثنين العاشر من تشرين الثاني الجاري، حين هبطت طائرة رئيس الحكومة الانتقالية أحمد الشرع في مطار واشنطن تمهيدًا لأول زيارة لرئيس سوري إلى الولايات المتحدة الأمريكية منذ العام 1946، بدأت كتابة فصل جديد في السياسة السورية، فصلٌ لا يشبه ما سبقه، لا في التوقيت ولا في الحمولات ولا في طبيعة الرسائل التي أرادت دمشق وواشنطن وبكين إرسالها إلى المنطقة. فالزيارة التي جاءت بعد أيام فقط من شطب اسم الشرع من قوائم الإرهاب الأميركية والدولية، لم تكن مجرد خطوة بروتوكولية، بل تحوّلت سريعًا إلى نقطة ارتكاز في مفاوضات شائكة حول مستقبل البلاد، وركيزة أساسية لملفات ثقيلة تتصدّرها العقوبات، وإعادة الإعمار، والوجود العسكري الأميركي، والأمن الإقليمي… إضافة إلى ملف بالغ الحساسية: المسلحون الإيغور في سوريا.
وبعد أيام من هذه الزيارة، تحديدًا في 17 تشرين الثاني الجاري، كان وزير الخارجية أسعد الشيباني يفتح في بكين صفحة موازية، يجلس إلى جانب نظيره الصيني وانغ يي، في مباحثات رسمية وصفتها الخارجية السورية بأنها “مرحلة جديدة من التعاون”. لكن؛ خلف الصور الرسمية والبيانات الوردية، كانت تتوالى الكواليس التي تربط بين الرحلتين، وتكشف إلى أي حد تحوّل ملف المسلحين الإيغور إلى أداة ضغط على الحكومة الانتقالية، في واشنطن كما في بكين.
وبين ضغط أميركي لفرض شروط واضحة حول حماية الأقليات ومنع أي اندماج غير مضبوط للمسلحين الأجانب داخل القوات النظامية الجديدة، وضغط صيني لاستعادة أو محاسبة عناصر الحزب الإسلامي التركستاني، كانت دمشق تجد نفسها في قلب معادلة دقيقة، تبدأ من البيت الأبيض، وتنتهي في قصر الضيافة ببكين، مرورًا بدماء الساحل والسويداء التي لم تجفّ بعد.
ملف الإيغور الخفي في البيت الأبيض
بدأ في العاشر من تشرين الثاني بلا مقدمات عاطفية؛ الصورة التي بثّتها القنوات، للرئيس الأمريكي دونالد ترامب وهو يستقبل أحمد الشرع في ردهات البيت الأبيض، لم تكن صورة بروتوكولية فقط، بل إعلانًا عن افتتاح مرحلة سياسية جديدة في العلاقات السورية ـ الأميركية.
فقد أكد البيت الأبيض في بيان مقتضب أنّ المباحثات التي بدأت في الظهيرة لم يُكشف عن تفاصيلها، وهو أمر غير معتاد في لقاءات بهذا المستوى. إلا أنّ مصادر إعلامية كشفت عن ثلاثة محاور رئيسية:
-
الأمن الإقليمي.
-
مستقبل الوجود العسكري الأميركي في سوريا.
-
العقوبات ـ خصوصًا قانون قيصر.
لكن خلف هذه الملفات، كان ملفٌ رابع يجري تداوله في الغرف المغلقة. فوفق مصادر في واشنطن، وضعت الإدارة الأميركية ملف المسلحين الإيغور على الطاولة، ليس باعتباره ملفًا أمنيًا فقط، بل بوصفه معيارًا لقياس جدية الحكومة الانتقالية في بناء جيش وطني غير مخترق، وغير مرتبط بجهات خارجية.
وفي الوقت الذي تسعى فيه الحكومة السورية الانتقالية إلى رفع العقوبات التي تشلّ قدرة البلاد على إعادة الإعمار، وبالأخص عقوبات قانون قيصر التي فُرضت على نظام بشار الأسد، كان واضحًا أن الشرع يحتاج إلى تنازلات، وأن واشنطن تريد التزامات واضحة تتعلق بحماية الطوائف والأقليات ومحاسبة المجموعات التي تورطت في انتهاكات قبل 2024 وبعده.
ومع أن الشرع قدّم نفسه بوصفه رئيس مرحلة جديدة، إلا أن أسئلة الأميركيين كانت مباشرة ومحرجة:
من هم هؤلاء المسلحون الأجانب الذين تم دمج جزء منهم داخل الجيش السوري؟ ما حجم نفوذ الإيغور في إدلب؟ كيف ستتعامل دمشق مع إرث الانتهاكات التي ارتكبت جنوبًا وشمالًا؟ ومن يضمن ألا يعود هؤلاء ليشكّلوا تهديدًا وجوديًا للعلويين والدروز؟
أسئلة لم تجد إجابات مكتملة في تلك اللحظة، لكنّها دفعت مسار التفاوض إلى مسارات جديدة، كشفت تفاصيلها بعد أيام فقط… في بكين.
زيارة الشيباني تكشف أوراق الضغط الصيني
بعد مرور أسبوع واحد فقط على زيارة رئيس الحكومة الانتقالية أحمد الشرع إلى واشنطن في العاشر من تشرين الثاني الجاري، كان وزير الخارجية أسعد الشيباني يجلس في قصر الضيافة في بكين بتاريخ 17 تشرين الثاني الجاري، يتحدث أمام نظيره الصيني وانغ يي عن “مرحلة جديدة” من التعاون الثنائي، وعن آفاق واسعة لإعادة الإعمار، في مشهد يوحي بأن سوريا تُعيد رسم خريطة تحالفاتها الإقليمية والدولية. البيانات الرسمية الصادرة يومها شددت على وحدة الأراضي السورية، وعلى دعم الصين للعملية السياسية بقيادة دمشق، وعلى استعداد بكين للمساهمة في تحسين الظروف المعيشية وإعادة الإعمار. لكن؛ خلف هذه اللغة الدبلوماسية الهادئة، كانت تدور واحدة من أكثر المفاوضات حساسية في السنوات الأخيرة. ففي اليوم نفسه كشفت وكالة “فرانس برس” معلومات مسرّبة أثارت عاصفة من الجدل السياسي، إذ أكدت ـ نقلاً عن مصدرين سوريين بينهم دبلوماسي ـ أن دمشق تدرس تسليم نحو 400 مسلح إيغوري إلى الصين، وأن التنفيذ “سيتم على دفعات بناء على طلب بكين”. هذه التسريبات لم تبقَ معلومة عابرة، بل تحولت إلى محور نقاش دولي، خاصة بعد ظهور روايتين متناقضتين من الجانب السوري.
فوزارة الخارجية السورية، عبر وكالة “سانا”، سارعت إلى نفي وجود أي نية للتسليم، لكنها في الوقت نفسه أقرت بأن الملف كان مطروحًا على جدول مباحثات الشيباني في بكين، وأن الصين رفضت اقتراح دمج الإيغور ضمن الجيش السوري خلال المرحلة الانتقالية. هذا التناقض لم يكن مجرد ارتباك إعلامي؛ بل يعكس صراعاً استراتيجياً بين ضغوط أمريكية تطالب بتفكيك المجموعات الأجنبية لحماية الشعوب والأقليات السورية، وضغوط صينية تعتبر الإيغور امتداداً لتهديد يمسّ أمنها القومي مباشرة.
الصين تتحدث عن وجود ما بين 3200 و4000 مسلح إيغوري في سوريا، معظمهم ينتمي للحزب الإسلامي التركستاني. أما دمشق فتطرح رقم 400 مسلح فقط ضمن “صفقة محتملة”. وبين الرقمين، تتضح الحقيقة: أن ملف الإيغور أصبح جزءاً من مفاوضات كبرى تدور بين ثلاث عواصم: واشنطن، دمشق، بكين؛ كل منها تسعى لتثبيت نفوذها في سوريا الجديدة، عبر واحدة من أعقد القضايا الأمنية المتبقية بعد سقوط النظام السابق.
ذاكرة الدم التي لا تمحى
قبل سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، كانت الجماعات الإيغورية قد تحولت إلى أحد أكثر الملفات تعقيدًا في المشهد المسلح داخل الشمال السوري. فمنذ عام 2015، ومع بروز الحزب الإسلامي التركستاني كلاعب عسكري بارز في إدلب، بدأ اسم المسلحين الإيغور يرتبط بسلسلةٍ من العمليات العنيفة والمجازر التي وثّقتها منظمات حقوقية ومصادر ميدانية بالصوت والصورة في ريف إدلب الغربي، وجبهات ريف حلب الشمالي، والمناطق الجبلية التي اتخذوها قواعد خلفية لنشاطهم. وقد أظهرت تلك التوثيقات طبيعة حضورهم المنظم، وقدرتهم على فرض نفوذهم على مساحات واسعة من الشمال السوري، في ظل صمت دولي وانشغال المجموعات الأخرى بمعاركها الداخلية.
لكن ما لم يُسلَّط عليه الضوء بما يكفي، هو الدور الخفي – ثم المكشوف لاحقًا – لبعض هذه المجموعات في موجة التصعيد الدموي التي اجتاحت الساحل السوري في السادس من آذار 2025، أي بعد أقل من ثلاثة أشهر على سقوط النظام السوري. فبينما كانت الحكومة السورية الانتقالية تحاول إعادة ضبط الحدود والفراغ الأمني الذي خلّفه انهيار مؤسسات الأسد، كانت مجموعات مسلحة، بينها مجموعات إيغورية، تتحرك من إدلب نحو المناطق الجبلية الساحلية بحثًا عن مناطق نفوذ جديدة.
شهادات موثقة حصلت عليها جهات حقوقية دولية تصف مشاركة عناصر إيغورية في عمليات تصفية ميدانية استهدفت مدنيين من الطائفة العلوية، في سياق انتقامي فوضوي امتد بين آذار ونيسان 2025. ورغم محاولة الحكومة الانتقالية التنصل من مسؤوليتها عبر وصف هذه المجموعات بأنها “عصابات غير منضبطة”، تكشف الوقائع أن جزءًا من هؤلاء المسلحين كان قد جرى دمجه – بشكل غير رسمي – داخل وحدات محلية عملت تحت راية الدولة الجديدة، ما جعل الاتهامات لاحقًا أكثر مباشرة وخطورة.
بمعنى آخر: الإيغور في الساحل لم يكونوا مجموعاتٍ طارئة أو خارج السيطرة بالكامل، بل كانوا جزءًا من تركةٍ ثقيلة تحاول دمشق اليوم التخلص من تبعاتها عبر المفاوضات الحساسة مع الصين.
جرح جديد يُضاف إلى الحساب
إذا كان ملف الإيغور قد ظهر وبرز أسمه أولا في الساحل السوري؛ فإن نتائجه الميدانية سرعان ما كشفت جانبًا آخر أكثر قسوة. فالساحل السوري الذي دفع الثمن بعمليات تسلل واشتباكات متقطعة ومجازر وانتهاكات بحق المدنيين، لم يكن وحده في مواجهة التداعيات. ففي تموز 2025، انتقل الجرح إلى الجنوب، وتحديدًا إلى محافظة السويداء، التي لطالما عاشت على هامش الصراع المسلح، وحاولت – رغم كل الضغوط – التمسك بخيار الحياد وحماية نسيجها الاجتماعي.
لكن هذا التوازن الهش انهار فجأة. ففي منتصف الشهر، تقدمت قوات أمنية تابعة للحكومة الانتقالية نحو الحدود الإدارية للمحافظة بذريعة «ملاحقة مجموعات مسلحة خارجة عن القانون». غير أنّ الوقائع على الأرض كانت أعمق وأكثر تعقيدًا من الرواية الرسمية. فالفيديوهات التي سُرّبت من داخل المدينة ومن ريفها، أظهرت اقتحامات غير مبررة، واعتقالات، وفوضى في إدارة العمليات، واشتباكات تركت خلفها حالة غضب واسعة بين الأهالي والمدنيين الذين رأوا فيما جرى «عقابًا سياسيًا» أكثر منه إجراءً أمنيًا.
ولم تقف الصدمة عند هذا الحد. فبينما اكتفت الحكومة بإنكار المسؤولية عن التجاوزات، بدأت شهادات محلية ودولية تتحدث عن وجود عناصر أجانب شاركوا في بعض العمليات، بينهم مسلحون من الحزب الإسلامي التركستاني جرى نقلهم على عجل من إدلب نحو الجنوب، في خطوة أثارت تساؤلات كبيرة حول طبيعة القوى التي تتحرك داخل الجغرافيا السورية بعد سقوط النظام السوري، ومن يملك قرار استخدامها.
وهكذا، بات ملف الإيغور الذي دار في بكين وواشنطن ودمشق، يُترجم على الأرض بدمٍ سوريّ مباشر: دمٌ سال في الساحل، ودمٌ تجدد في السويداء في تموز 2025، ليكشف أن القضية لم تعد مجرد ملف تفاوضي أو ورقة ضغط، بل تحوّلت إلى أحد أكثر الجروح حساسية في جسد المرحلة الانتقالية السورية.
لعبة العقوبات والاعتراف والتسلية
مع تصاعد الضغوط الأميركية المطالِبة برفع مستوى الشفافية في ملف دمج المسلحين الأجانب داخل الجيش السوري، وفي مقابل الضغط الصيني المستمر لاستعادة أو محاكمة رعاياها المنخرطين في الصراع، وجدت الحكومة الانتقالية نفسها أمام خيارين أحلاهما مرّ. فقبول تسليم الإيغور يعني فتح الباب أمام واشنطن للمطالبة بخطوات مماثلة تجاه مجموعات أخرى، ما قد يهدد التوازنات العسكرية الهشة التي تحكم مرحلة ما بعد سقوط النظام. أما رفض التسليم، فسيُفسَّر في بكين على أنه مراوغة سياسية قد تدفعها إلى تخفيض مشاركتها في مشاريع إعادة الإعمار، وهي المشاريع التي تراهن عليها دمشق لإعادة تشغيل الاقتصاد المتصدّع.
الولايات المتحدة كانت واضحة في شروطها: لا رفع لعقوبات “قيصر” قبل تقديم ضمانات حقيقية بحماية الشعوب السورية كافة، وتفكيك التنظيمات المسلحة الأجنبية، وإعادة بناء مؤسسة عسكرية وطنية وفق معايير جديدة. الصين، في المقابل، قدمت وعودًا اقتصادية واسعة خلال زيارة 17 تشرين الثاني، لكنها أرفقتها برسالة لا تحتمل التأويل: لن تقبل بوجود مقاتلين إيغور ناشطين في مناطق النزاع السورية، لأن استمرارهم – من وجهة نظرها – يمس أمنها القومي ولو كان وجودهم على آلاف الكيلومترات من حدودها، فالمخاوف الصينية لا تتعلق بالجغرافيا بل بامتداد الشبكات الأيديولوجية والتنظيمية عبر آسيا الوسطى.
وسط هذه الضغوط، تحوّل ملف الإيغور إلى مفتاح سياسي يُحدِّد مسار المرحلة المقبلة. فبين العاشر من تشرين الثاني تاريخ زيارة الشرع لواشنطن، و17 تشرين الثاني تاريخ لقاء الشيباني بالمسؤولين الصينيين في بكين، اتضح أن دمشق دخلت منعطفًا جديدًا: ملف كانت تسعى لطيّه قبل سقوط النظام السوري؛ عاد إلى السطح بقوة، لا كقضية أمنية فقط، بل كعقدة تربط المشهد السوري الداخلي بتوازنات دولية حساسة.
No Result
View All Result