No Result
View All Result
عين عيسى/ برخدان جيان – يشهد الواقع التعليمي في مدينة “كري سبي/ تل أبيض” المحتلة منذ أعوام تراجعاً حاداً على مختلف المستويات، في ظل هيمنة مباشرة من سلطات الاحتلال التركي، التي حولت العملية التعليمية أداة سياسية، هدفها طمس الهوية الوطنية وفرض ثقافة غريبة عن المجتمع المحلي.
بدلاً من الارتقاء بالتعليم وتحسين ظروف المدارس، تمضي تركيا في تنفيذ سياسة تتريك ممنهجة، عبر فرض مناهج تعليمية تركية الشكل والمضمون، ورفع الأعلام التركية وصور قادتها في المدارس، إلى جانب استبدال الرموز الوطنية بأخرى تمجد الفكر القومي التركي.
مساعٍ لتتريك المدارس
وتشير شهادات من الأهالي والكوادر التربوية إلى أن ما يعرف بـ”مجلس تل أبيض المحلي”، يشرف على التعليم في المنطقة بما يخدم أجندة أنقرة، حيث تم تعيين معلمين محسوبين على المجموعات الموالية لتركيا دون مؤهلات كافية، في حين أُقصيت الكفاءات المحلية التي كانت تعمل في المدارس قبل الاحتلال، وتُدرّس في أغلب المدارس مواد باللغة التركية إلى جانب فرض النشيد التركي ورفع الأعلام التركية على مداخل المدارس، في مشهد يعكس عمق مساعي التتريك التي تستهدف أجيال المنطقة وذاكرتها الثقافية.
ويعاني الطلاب من نقص حاد في الكتب والوسائل التعليمية، إضافة إلى سوء البنية التحتية في المدارس التي تعرضت للإهمال، وانعدام البيئة التربوية السليمة، كما يشتكي الأهالي من غياب الرقابة التعليمية الحقيقية، حيث تُدار العملية برمتها من شخصيات غير تربوية تابعة للمجموعات المرتزقة.
اعتداءات ممنهجة تطال الكوادر التعليمية
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يتعداه إلى اعتداءات ممنهجة تطال الكوادر التعليمية التي تجرؤ على انتقاد الواقع أو المطالبة بالإصلاح، ففي حادثة أثارت غضباً واسعاً في كري سبي المحتلة، تعرض المدرس “جمعة الحسين”، مدير مدرسة الصباغ في المدينة، للاعتداء بالضرب المبرح على يد مجهولين، وذلك عقب ظهوره في مقطع فيديو ينتقد فيه تردي العملية التعليمية، مطالباً ما يسمى بمجلس تل أبيض المحلي بتحسين أوضاع المدارس والمعلمين.
وحسب مصادر محلية من البلدة، فقد اختُطف المعلم صباح يوم الأحد (الثاني من تشرين الثاني الجاري) أثناء توجهه إلى مدرسته، قبل أن يُعثر عليه لاحقاً في بلدة سلوك مغشياً عليه جراء التعذيب، ونُقل بعدها إلى المشفى لتلقي العلاج، فيما لم تُعرف الجهة المسؤولة عن الاعتداء، في وقت تتحدث فيه مصادر أخرى عن تورط عناصر من المجموعات المرتزقة الموالية لتركيا التي تسيطر على المنطقة.
وأكد ناشطون من كري سبي، أن هذه الحادثة ليست الأولى من نوعها، إذ سبق أن تعرض عدد من المعلمين والمدراء للمضايقة والاعتقال على خلفية اعتراضهم على السياسة التعليمية المفروضة من سلطات الاحتلال، كما تم فصل العديد من الكوادر التي رفضت تدريس المنهاج التركي أو الامتثال لتوجيهات المجلس المحلي.
طمس الهوية التعليمية
ويصف أبناء المنطقة ما يجري بأنه محاولة واضحة لطمس هوية التعليم، وتحويل المدارس إلى أدوات لنشر الفكر القومي التركي، مشيرين، إلى أن المناهج الجديدة تُخفي الرموز التاريخية والثقافية المحلية وتستبدلها بمضامين تمجد الدولة التركية ورموزها.
وفي المقابل، يعيش الطلاب حالة من التشتت وفقدان الثقة بمستقبلهم، في ظل غياب الاعتراف الرسمي بالشهادات الصادرة عن تلك المدارس؛ ما يجعلهم محرومين من متابعة تعليمهم في الجامعات السورية أو المؤسسات المعترف بها دولياً.
ويرى مراقبون، أن استمرار هذا الواقع الكارثي يهدد جيلاً كاملاً بالضياع الفكري والثقافي، نتيجة محاولات محو الهوية القومية وتهميش اللغة والثقافة المحلية، كما أن الاعتداءات على المعلمين تزرع الخوف بين الكوادر التربوية، وتمنع أي صوت من المطالبة بتحسين الوضع أو كشف الانتهاكات المستمرة.
يشار، إلى أن ما يحدث في كري سبي اليوم، نموذج صارخ لسياسة تتريك متكاملة الأركان، تبدأ من الصفوف الدراسية ولا تنتهي عند حدود رفع الأعلام التركية على المباني التعليمية، في مسعى واضح لإلحاق المنطقة ثقافياً وسياسياً بتركيا، وبينما يدفع المعلمون والطلاب الثمن، تبقى العملية التعليمية رهينة الاحتلال وأدواته، في انتظار صحوة تضع حداً لتشويه التعليم وتحويله إلى سلاح ضد هوية المجتمع وأجياله القادمة.
No Result
View All Result