الطبقة/ عبد المجيد بدر- يقف المزارعون في دير حافر والمنصورة، على أعتاب موسمٍ مثقل بالقلق، بعدما تحوّل محصول الذرة الصفراء من مصدر أمل إلى عبء يهدد لقمة عيشهم. فبين غلاء التكاليف وتوقف المجففات وإغلاق المعابر، تتبدد جهود موسمٍ كامل في انتظار تدخلٍ ينقذ ما يمكن إنقاذه.
في سهول دير حافر الممتدة على ضفاف قناة البابيري، تصطف سبول الذرة الصفراء وقد مالت بفعل شمس الخريف، بينما يقف المزارعون في انتظار مصير موسمٍ أنهكهم كلفته قبل أن يقطفوا ثماره.
موسم الذرة مجهول
وبهذا الصدد؛ بين المزارع “حمود الحافظ” من قرية أبو المقبرة في ريف مدينة دير حافر بمقاطعة الطبقة: “أنا مزارع متوسط أزرع نحو سبعين دونماَ من الذرة الصفراء، ونروي أراضينا من مياه قناة البابيري. نستخدم بذور من نوع ميغا أو سوبر بورا أو العجيب، وهي أنواع جيدة تنبت خلال 72 ساعة فقط. بعد ذلك نسقي كل عشرة أيام ونضيف السماد بشكل منتظم. ولكن؛ المشكلة ليست في الزراعة، بل في التسويق والتجفيف”.
وأكد الحافظ أن المعاناة الكبرى هذا العام تتمثل في إغلاق معبر دير حافر وتوقف المجفف الزراعي: “في السنوات الماضية كنا نبيع المحصول للتجار الذين يصدرونه إلى المحافظات السورية لتغذية المداجن والأبقار، أما الآن فالمعبر مغلق والسوق المحلي مشبع بالذرة، ولا يوجد طلب كافٍ لتصريفها، وبدون مجفف، نخشى أن تتلف سبول الذرة في حال هطلت الأمطار قبل جفافها تماماً”.
من جانبه أوضح المزارع “فيصل الحمود“، أحد أقدم مزارعي الذرة في دير حافر: “منذ عودة زراعة الذرة قبل أكثر من عشر سنوات، أصبحت المحصول الأهم في دير حافر؛ لأنها أكثر ربحاً من القمح وأقل عرضة للأمراض. ولكن؛ الذرة تحتاج إلى تسويق خارجي، والتجار لا يأتون إلى المنطقة ما لم يكن هناك معبر مفتوح”.
وتابع:” يجب إعادة تشغيل المجفف الزراعي بشكل عاجل، لأنه أساس حماية المحصول من التلف. كذلك ينبغي إعادة تنظيم عمل لجنة الزراعة لضمان توزيع المازوت والسماد بشكل عادل ومنتظم بين الفلاحين”.
المجفف الزراعي من الخدمة إلى الخراب
يُعد المجفف الزراعي في دير حافر من أبرز المشاريع الزراعية التي أُنشئت في تسعينيات القرن الماضي، إذ كان يخدم مئات المزارعين بتجفيف محاصيل الذرة بطاقة إنتاجية كبيرة.
استمر عمل المجفف حتى عام 2013 حين دُمّر نتيجة الحرب وتوقف عن الخدمة بالكامل. ومنذ ذلك الوقت اضطر المزارعون إلى تجفيف سبول الذرة يدوياً وعلى الطرقات العامة، ما جعلهم عرضة لخسائر كبيرة عند تغير الطقس أو هطول الأمطار.
وفي عام 2023، استثمر أحد الأشخاص جزءاً من مركز الأعلاف في دير حافر لإنشاء مجفف خاص بطاقة إنتاجية بلغت 40 طناً في الساعة، وعمل خلال شهري تشرين الأول والثاني من عام 2024. لكن؛ مع إقالة الجهة الإدارية المشرفة عليه نهاية العام ذاته، توقف المجفف مجدداً ولم يُستأنف تشغيله حتى اليوم.
تراجع الإنتاج وتكاليف مرهقة
وفي الجهة المقابلة من ريف الطبقة الشرقي، يعيش مزارعو مدينة المنصورة أزمة مشابهة في موسم الذرة هذا العام.
أشار المزارع “خليفة العليوي” من قرية هنيدة بريف مدينة المنصورة في مقاطعة الطبقة: “في السنوات الماضية كنا نحصل على إنتاج يقارب 900 كيلوغرام للهكتار الواحد، أما هذا العام فقد تراجع إلى نحو 350 ـ 400 كيلوغرام فقط، بسبب ضعف التسميد وارتفاع تكاليف الري وغلاء الوقود”.
وأضاف العليوي: “قمنا بسقاية كل دونم ثماني مرات خلال الموسم، وتستهلك كل سقية نحو 16 ليتراً من المازوت. نشتري المازوت من السوق السوداء بسعر 5500 ليرة سورية للتر الواحد، لأنه لا يوجد أي دعم من لجنة الزراعة. ومع هذه الكلفة المرتفعة، أصبح العائد ضعيفاً جداً ولا يغطي الجهد أو المصاريف”.
تكاليف الزراعة تثقل كاهل الفلاحين
تبلغ تكلفة زراعة الدونم الواحد من الذرة الصفراء نحو 100 دولار أمريكي تشمل: عشر دولارات حراثة بالجرار، وثلاث دولارات أجور عمال تقبيع، و25 دولاراً للبذار، و30 دولاراً للسماد، ودولارين للمبيد الحشري، وثلاث دولارات لمبيد الأعشاب، وسبعة دولارات للحصاد، وأربع دولارات لأكياس التعبئة والخيط، وثلاث دولارات أجور تعبئة يدوية، ودولار للنقل، وعشر دولارات لمازوت الري، إضافة إلى سبع دولارات أجور السقاية، ودولار إضافي أجور عمال السماد.
هذه الأرقام تجعل من موسم الذرة عبئاً ثقيلاً على المزارعين في ظل غياب الدعم وارتفاع الأسعار.
مساحة الأراضي المزروعة
تبلغ مساحة الأراضي الزراعية في مدينة دير حافر وريفها، والتي تقع تحت حماية قوات سوريا الديمقراطية، نحو 88,123 دونماً مزروعة بالذرة الصفراء، من إجمالي 12 ألف هكتار أراضٍ بعلية ومروية، في حين تُزرع المساحة المتبقية بالخضروات.
هذا الرقم يعكس أهمية الذرة الصفراء كمحصول استراتيجي يدعم قطاع الثروة الحيوانية، ويشكل المصدر الأساسي للرزق لمزارعي المنطقة.
وبلغ مساحة الأراضي المزروعة بالذرة الصفراء في مدينة المنصورة وريفها نحو 67,786 دونماً، مع انخفاض الإنتاج هذا العام إلى 350 – 400 كيلوغرام للهكتار، مقارنة بـ 900 كيلوغرام في المواسم السابقة.
الأمل بالتدخل العاجل
يأمل المزارعون في دير حافر والمنصورة أن تبادر الجهات المعنية إلى إعادة تشغيل المجففات الزراعية وفتح المعابر المغلقة، بما يضمن تسويق المحاصيل وعدم تلفها.
تظل أزمة مزارعي دير حافر والمنصورة جزءاً من معاناة أوسع يعيشها الفلاح السوري في ظل غياب الدعم وارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف التسويق.
وما لم تتخذ خطوات سريعة لإعادة تأهيل البنية الزراعية وتشغيل المجففات وفتح المعابر، فإن مواسم الذرة القادمة ستكون على المحك، ومعها استقرار الأمن الغذائي في المنطقة.