No Result
View All Result
عين عيسى/ برخدان جيان ـ يصادف التاسع من تشرين الأول الذكرى السنوية السادسة لاحتلال مدينتي “سري كانيه وكري سبي/ تل أبيض”، الاحتلال الذي لم يكن اجتياحاً عسكرياً فحسب، بل تحوّلاً لجرح مفتوح في جسد شمال وشرق سوريا.
فخلال أسابيع قليلة عقب الاحتلال التركي هجرت الآلاف من الأهالي الأصليين من بيوتهم وقراهم تحت وابل القصف والتهديد بالمجازر، ليجدوا أنفسهم أمام واقع التهجير القسري، ومنذ ذلك الحين، يعيش هؤلاء في مخيمات التهجير بمناطق الإدارة الذاتية الديمقراطية، فيما حُولت مدنهم ساحة للفوضى والانتهاكات المنظمة.
التغيير الديمغرافي… سياسة ممنهجة
ولم يكن الهدف من الاحتلال التركي السيطرة العسكرية، بل كان واضحاً منذ البداية أن المشروع يتجاوز ذلك إلى إحداث تغيير ديمغرافي واسع النطاق. فقد جرى جلب عائلات المرتزقة الموالية لتركيا وإسكانهم في منازل السكان الأصليين الذين أُجبروا على النزوح، في حين مُنع المهجرون من العودة إلى ديارهم، هذه السياسة لم تقتصر على المدن فقط، بل شملت القرى والمزارع، حيث تغيّرت أسماء بعض القرى، وفرضت أنظمة تعليمية وخدمية جديدة تتبع مباشرة للإدارة التركية.
استمرار الانتهاكات اليومية
ومنذ 2019 وحتى اليوم، لم تتوقف التقارير الحقوقية عن رصد انتهاكات يومية يرتكبها المرتزقة بحق من تبقى من المدنيين داخل المدينتين المحتلتين. فمن عمليات الخطف والابتزاز، إلى الاستيلاء على الأملاك، مروراً بالتجنيد القسري للشباب ونهب المحاصيل الزراعية، كلها انتهاكات موثقة تفضح الوجه الحقيقي للاحتلال، كما أن حالات القتل خارج القانون والاعتقالات التعسفية باتت جزءاً من الحياة اليومية هناك، في ظل صمت دولي مريب.
مخيمات التهجير “حياة على الهامش”
في مخيم كري سبي/ تل أبيض ومخيمات أخرى بريف الرقة والحسكة، يعيش آلاف المهجرين في ظروف قاسية منذ ست سنوات. حيث قالت المهجرة من بلدة سلوك التابعة لمدينة كري سبي المحتلة “عزيزة مرعي“: “تركنا بيتنا وأرضنا وكل ما نملك، كنا نظن أننا سنعود بعد أيام أو أشهر، لكن مرت سنوات ونحن هنا، حياتنا كلها تغيرت، أطفالنا كبروا في الخيم، والمدارس محدودة، والعمل شبه معدوم”.
أما المهجر “إسماعيل الياسين” من كري سبي، فأضاف: “أملك مزرعة زيتون كنت أعيش منها مع عائلتي. الآن المزرعة تحت سيطرة المرتزقة، ونحن نعيش على المساعدات… أشعر أن عمري ضاع بين الانتظار والمعاناة”.
الكارثة الإنسانية والاقتصادية
لم يقتصر أثر الاحتلال على التهجير فقط،
بل ضرب البنية الاقتصادية والمعيشية للمنطقة، فقد تعطلت الزراعة، وفقد المزارعون مصادر رزقهم، كما توقفت الأسواق المحلية التي كانت تغذي مساحات واسعة من شمال سوريا، هذا الانهيار الاقتصادي انعكس بشكل مباشر على حياة المهجرين، الذين باتوا يعتمدون على المساعدات الإنسانية الشحيحة، فيما يحلمون فقط بعودة آمنة إلى بيوتهم.
النساء والأطفال.. معاناة مضاعفة
وقد دفع النساء والأطفال الثمن الأكبر، فالكثير من النساء اللواتي فقدن أزواجهن أو مصادر رزقهن وجدن أنفسهن مضطرات لتحمل أعباء الحياة في المخيمات. فقد قالت المهجرة “عدولة خليل” وهي أم لثلاثة أطفال: “نعيش بين الخوف من المستقبل وغياب الأمان، لا نستطيع العودة إلى بيوتنا، وأطفالنا يسألونني يومياً: متى سنرجع؟”.
الأطفال بدورهم، نشؤوا في بيئة تفتقد للحد الأدنى من الاستقرار النفسي والتعليمي، مما ينذر بجيل كامل يعيش أزمة هوية وانتماء.
ضرورة تطبيق اتفاق العاشر من آذار
وفي ظل هذه المأساة المستمرة، يبرز الحديث مجدداً عن اتفاق العاشر من آذار بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية الانتقالية. هذا الاتفاق، الذي من المفترض أن يشكل إطاراً للحل وضمان عودة المهجرين، لم يُفعّل حتى الآن بالشكل المطلوب، ومع استمرار الاحتلال، يصبح الدفع باتجاه تطبيق بنود هذا الاتفاق حاجة ملحّة، ليس فقط للمهجرين بل لاستقرار سوريا عموماً.
في لقاء مع مجموعة من المهجرين في مخيم “تل أبيض/ كري سبي”، أكدوا جميعاً أن العودة إلى ديارهم هي الهدف الأول والأخير، وأنهم لن يقبلوا بأي بديل عن أراضيهم وبيوتهم.
وهذا ما عبر عنه المهجر “إسماعيل الياسين”: “لا نريد سوى العودة إلى بيوتنا بكرامة. المخيمات ليست حلاً دائماً. نريد أن نزرع أرضنا ونعيش بسلام كما كنا”.
مسؤولية المجتمع الدولي
ورغم التقارير الحقوقية التي وثقت الانتهاكات، ما يزال الموقف الدولي يفتقد للجدية، فالمجتمع الدولي لم يمارس ضغطاً حقيقياً على أنقرة لإنهاء احتلالها، ولم يضمن حماية المدنيين، هذا التقاعس سمح بترسيخ واقع الاحتلال والتغيير الديمغرافي.
ومع دخول العام السابع على احتلال مدينتي “سري كانيه/ كري سبي، تبقى قضية المهجرين واحدة من أبرز القضايا الإنسانية والسياسية في إقليم شمال وشرق سوريا، فلا يمكن الحديث عن حل عادل ودائم دون ضمان العودة الآمنة والطوعية لجميع المهجرين، وإعادة الحقوق إلى أصحابها الأصليين، وإنهاء سياسات الاحتلال التركي.
فيجب أن تكون الذكرى السنوية لاحتلال سري كانيه وكري سبي مناسبة لتجديد النداء بضرورة إنهاء معاناة آلاف العوائل، وتطبيق اتفاق العاشر من آذار كخطوة أساسية نحو الحل.
No Result
View All Result