No Result
View All Result
محمد حمود
يصادف التاسع من تشرين الأول السنوية السادسة لبدء هجوم دولة الاحتلال التركي، ومرتزقتها على مدينتي سري كانيه وكري سبي، متمثل بهجوم جوي وبري استُخدمت فيه أنواع الأسلحة كلها، من بينها الأسلحة المحرمة دولياً، انتهاء باحتلالهما.
في التاسع من تشرين الأول 2019، شنت دولة الاحتلال التركي ومرتزقتها هجوماً عسكرياً واسع النطاق على مدينتي سري كانيه، وكري سبي (تل أبيض) في شمال وشرق سوريا. هذا الهجوم، الذي تزامن مع الذكرى السادسة في عام 2025، لم يكن مجرد عملية عسكرية، بل جزءاً من استراتيجية تركية طويلة الأمد تهدف إلى تغيير الواقع الديمغرافي والسياسي في المنطقة. استخدمت تركيا في هذا الهجوم أنواعاً مختلفة من الأسلحة؛ ما أدى إلى احتلال المدينتين واستشهاد العشرات من المدنيين وتهجير الآلاف.
تمتد المنطقة المحتلة على مساحة بعرض 110 كيلومترات، وبعمق 30 كيلومتراً داخل الأراضي السورية، وهي الثالثة في سلسلة الهجمات البرية التركية بعد احتلال جرابلس وإعزاز والباب عام 2016، ثم عفرين في 2018. جاء هذا الاحتلال إثر صفقات سياسية ضمن مسار أستانا بين تركيا وروسيا وإيران؛ ما أتاح لأنقرة توسيع نفوذها في سوريا على حساب السكان الأصليين.
أطماع تركيا التوسعية
لم يكن احتلال سري كانيه وكري سبي حدثاً مفاجئاً، بل لسلسلة من التحركات التركية التي بدأت منذ بداية الأزمة السورية عام 2011. في عام 2012، حاولت تركيا بمرتزقتها احتلال سري كانيه. لكن؛ مقاومة قوات سوريا الديمقراطية بريادة وحدات حماية المرأة؛ أفشلت تلك المحاولة. منذ ذلك الحين، ظلت المدينتان هدفاً مستمراً للهجمات التركية حتى نجحت أنقرة في احتلالهما عام 2019.
وزعمت تركيا، إن هجومها جاء لحماية حدودها من “التهديدات الإرهابية”، مستخدمة هذا الادعاء كغطاء لتبرير تدخلها. لكن؛ الواقع يكشف تناقض هذه الذريعة، إذ لم تتحرك تركيا عندما كانت “داعش” تسيطر على مناطق قريبة من حدودها. بل إن تقارير دولية وثّقت دعم تركيا لنمو قوة “داعش” في سوريا، بهدف استغلال الفوضى لتوسيع نفوذها.
“المنطقة الآمنة”
في محاولة لنزع فتيل التوتر، توصلت الولايات المتحدة وتركيا في السابع من آب 2019 إلى اتفاق لإنشاء “منطقة آمنة” على الحدود السورية – التركية. نص الاتفاق على تشكيل غرفة عمليات مشتركة وتسيير دوريات أمريكية – تركية بعمق يتراوح بين خمسة وتسعة كيلومترات. استجابت قوات سوريا الديمقراطية “قسد” لهذا الاتفاق، حيث سحبت قواتها العسكرية، وأزالت الحواجز والخنادق، ودمرت السواتر الترابية تحت إشراف القوات الأمريكية. لكن؛ تركيا، بدعم ضمني من قرار الرئيس الأمريكي آنذاك دونالد ترامب بالانسحاب من سوريا، خرقت الاتفاق وشنت هجومها على المدينتين.
مقاومة بطولية في وجه الاحتلال
أعلنت قوات سوريا الديمقراطية استعدادها لمواجهة الهجوم التركي تحت شعار “مقاومة الكرامة”. استمرت المقاومة عشرة أيام، فتمكنت قسد من منع دولة الاحتلال التركي ومرتزقتها من دخول سري كانيه وكري سبي، رغم استخدام الأسلحة الثقيلة والمحرمة دولياً. لكن؛ في التاسع من تشرين الأول 2019، تمكنت الدولة التركية من احتلال المدينتين بعد معارك ضارية.
أثارت العملية العدوانية التركية انتقادات واسعة في الأوساط السياسية والعسكرية داخل الولايات المتحدة وأوروبا. اتهم سياسيون أمريكيون الرئيس ترامب بالتخلي عن حلفاء واشنطن في مكافحة “داعش”، معتبرين أن الانسحاب الأمريكي مهّد الطريق لتركيا لتنفيذ أطماعها. كما أجبر الضغط الشعبي والدولي تركيا وروسيا والولايات المتحدة على التوصل إلى هدنة، تلتها اتفاقيات لتسيير دوريات روسية ونشر قوات حرس الحدود السورية في المناطق الفاصلة بين دولة الاحتلال التركي ومناطق الإدارة الذاتية.
تغيير ديمغرافي قسري
منذ احتلال سري كانيه وكري سبي، عملت تركيا على تغيير الهوية الثقافية والديمغرافية للمدينتين. فتم تهجير أكثر من 300 ألف شخص، أي ما يعادل 87% من السكان الأصليين، واستبدالهم بعائلات مرتزقة وموالين لأنقرة.
ووفقاً لتقارير “لجنة مهجري سري كانيه”، تم توطين حوالي 3000 عائلة من اللاجئين السوريين في تركيا، معظمهم من عوائل المرتزقة، بهدف تغيير التركيبة السكانية وسلخ المنطقة من هويتها الأصلية.
وشهدت المدينتان عمليات نهب واسعة النطاق للممتلكات العامة والخاصة. فاستولت المجموعات المرتزقة الموالية لتركيا على حوالي 6000 منزل و1700 محل تجاري، إضافة إلى الأراضي الزراعية والمشاريع التجارية. وتم قطع خطوط المياه والكهرباء عن بعض المناطق، وأحرقت المحاصيل الزراعية، مما زاد من معاناة السكان.
انتهاكات حقوقية خطيرة
وثقت منظمات حقوقية، مثل “هيومن رايتس ووتش”، انتهاكات صارخة تشمل جرائم حرب مثل القتل العمد، التهجير القسري، والاعتقالات التعسفية.
كما تم توثيق حالات اختطاف للمدنيين بهدف الحصول على فدية أو تحقيق مكاسب سياسية. أما الأخطر، فقد كشفت تقارير عن تورط بعض المجموعات المرتزقة الموالية لتركيا في المتاجرة بالبشر وحتى الأعضاء البشرية.
فرضت دولة الاحتلال التركي اللغة والعملة التركية على المدينتين، إضافة إلى مناهج تعليمية تابعة للسلطات التركية. كما أجبرت السكان المتبقين على تسليم هوياتهم واستبدالها ببطاقات جديدة صادرة عما يسمى بـ”المجلس المحلي”، في خطوة تهدف إلى محو الهوية الأصلية للمنطقة. فتحولت المنطقة إلى مركز لتهريب المخدرات بسبب غياب الرقابة وانهيار النظام الأمني. وأسهمت هذه الفوضى في زيادة الجريمة وتدهور الأوضاع الاجتماعية؛ ما أثر سلباً على استقرار المجتمع المحلي.
الاحتجاجات وقمعها
خرج سكان سري كانيه وكري سبي في مظاهرات متكررة ضد الاحتلال التركي وانتهاكاته، مطالبين بإنهاء التدخل التركي والعودة إلى منازلهم.
لكن؛ هذه المظاهرات قوبلت بالقمع العنيف، حيث استخدمت مرتزقة الاحتلال التركي الرصاص الحي وحملات الاعتقال ضد المتظاهرين.
صمت المجتمع الدولي
على الرغم من الانتهاكات الواضحة، لم يتحرك المجتمع الدولي بشكل فعال لوقف الانتهاكات التركية أو معاقبة أنقرة. يعكس هذا الصمت تواطؤاً سياسياً ضمن مسار أستانا، حيث سمحت روسيا والولايات المتحدة لتركيا بفرض واقع جديد في شمال سوريا.
كانت فكرة “المنطقة الآمنة” مجرد غطاء لتبرير السيطرة على أراضٍ جديدة وتوطين مجموعات مرتزقة موالية لتركيا، مما أدى إلى تفاقم الأزمات الإنسانية والأمنية.
كارثة إنسانية وسياسية
يكشف احتلال سري كانيه وكري سبي عن الوجه الحقيقي للسياسات التركية التوسعية في سوريا، والتي تستند إلى صفقات دولية وذرائع واهية.
لم تكن المنطقة الآمنة سوى أداة لتغيير الخريطة الديمغرافية وتهجير السكان الأصليين، خاصة الكرد، واستبدالهم بمجتمعات موالية لأنقرة.
النتائج الكارثية لهذا الاحتلال، من تهجير جماعي ونهب ممتلكات إلى جرائم حرب موثقة، تؤكد أن الهدف لم يكن الأمن، بل فرض سيطرة تركية على حساب السكان المحليين.
ورغم الاحتجاجات والمقاومة، يبقى المجتمع الدولي صامتاً، تاركاً المنطقة تغرق في الفوضى والانتهاكات.
No Result
View All Result